نقلت من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله إبراهيم الطرسوسي القاضي ، من كتاب سير الثغور ، الذي ألفه لابن الفرات ، قال : وفي هذه الدار ـ يعني ـ دار راغب الكبرى خدم وشيوخ من الفرسان المتقدمين ، منهم : أبو هلال الراغبي ، أدركته أنا وهو ابن قريب من مائة سنة.
قال أبو عمرو : وحدثني أبو الطيّب يمن بن عبد الله الريداني ـ أحد فرسان طرسوس وقوادها ـ أنهم كانوا في بعض المغازي فوافقوا العدو (٢١٢ ـ و) فظفر أبو هلال الخادم الراغبي بالمرلّس أحد فرسان الروم ، فأخذه أسيرا فعرفه المرلس نفسه ، وقال : أبق عليّ فأنا المرلس فدفعه الى بعض السواس أو المكاريين ، وقال له : امض به إلى الأمير ثمل وعرفه أنك أنت أسرته ليدفع إليك ما جرى الرسم بمثله فيمن أخذ أخيذا ، فلما حصل عند ثمل قال له : من أسرك؟ قال : رجل خادم من حاله وعلامته ، وجدته على فرس من شيته وآله وسلاح ، هو كذا وكذا ، قال له ثمل : وما أخذك هذا السائس؟ قال : لا والله ، فأذن ثمل للناس في المقام في ذلك المنزل ، وكان إذا أقام العسكر في بلاد الروم بمكان نودي : ألا إن الأمير مقيم ليتسع الناس في الذبائح وغيرها من المآكل ، ومن عرض له قبل الأمير مهمّ قصده في مضربه ، فقضى وطره ، فلما أقام أتاه المسلمون بالتهنية بالفتح وبالظفر بالمرلس ، والمرلس جالس بقرب ثمل بحيث يرى الناس ولا يرونه ، ويسمع ثمل مناجاته ، فكلما دخل رجل للسلام قال له ثمل : أهذا الذي أسرك؟ فيقول : لا حتى جاء أبو هلال الراغبي ، فقام المرلس قائما وسجد لأبي هلال تعظيما ، وقال لثمل : أيها الأمير هذا الذي أسرني ، فقال أبو هلال : ما أعرف شيئا مما تقول ولا هو أخيذتي فاستحلفه ثمل بحياته ، فقال : نعم إلّا أنه ليس من المروءة أن يظهر الرجل أحسن أفعاله ، وإنما يحسن بالإنسان (٢١٢ ـ ظ) أن يتحدث عنه غيره بما يأتي من الجميل ، قال ثمل : يا أبا هلال لو غيرك أخذ المرلس لم يسعنا معه أرض النصرانية ، ولا أرض الإسلام ، قال أبو هلال : فأطلق للسائس أن يتكلم ، قال : ثمل لا رونق للكذب ولا نفاذ.
![بغية الطلب في تاريخ حلب [ ج ١٠ ] بغية الطلب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2294_bagheyat-altalab-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
