ورجع ، وأحضر إليّ تلك الغضارة بعينها ، فقلت : ما هذه؟ فقال : هذه احضرها إليّ الشيخ أبو الحسين وفيها العجة مع الخبز.
قال لي أحمد بن يحيى : وحدثتني عمتي المذكورة قالت : أخبرني أخي ، بعض ولد الشيخ أبى الحسين قال : كان والدي أبو الحسين يجمع قشور البطيخ التي تلقي فيجعلها في قدر ، ويأخذ مغرفة ويحركها ويخرجها فنأكلها ، فنجدها من أطيب الأطعمة ، فلما توفي الشيخ عمد بعض ولده ففعل مثل ما كان يفعل ، فلم يطق أحد أن يأكلها ، فقال بعضهم : القشور القشور ، والقدر القدر ، والمغرفة المغرفة ، ولكن اليد التي كانت تحركها ليست اليد. (٧٠ ـ ظ).
سمعت سيف الدين موسى بن شيخنا محمد بن راجح المقدسي يقول لي بحلب : حكى لي الفقيه يعقوب الزنكلوني ، من أصحاب الشيخ عثمان بن مرزوق عن صاحب الشيخ أبي الحسين الزاهد أنه قال : سافرت أنا والشيخ أبو الحسين رحمه الله من غزة إلى عسقلان ، فاشتد بنا الحر وعطشنا ، فقال لي : يا فلان تجيء حتى تزرع مقثأة؟ فقلت له : مبارك ، فقال : أيما أحب إليك تحفر أم تزرع؟ فقلت : أحفر والشيخ يزرع ، فحفرت له جوبا (١) كثيرة وهو يطرح في كل جوبة حصاتين من الأرض ، إلى أن زرعنا شيئا كثيرا ، ثم انتقلنا فاستظللنا تحت شجرة بعيدا عن الموضع ، فقال لي بعد ساعة : يا فلان ، اذهب فآتنا من المقثاة ببطيخ ، فذهبت فلم أر شيئا ، فجئت معه فأقبلنا على المقثاة فإذا هي كلها لجة خضراء ، فيها من البطيخ شيء كثير كبار وصغار ، فأكلنا حتى شبعنا ، ثم أخذ من ذلك البطيخ فوضعه في الخرج على الدابة ، وحملناه معنا إلى عسقلان ، وكان قد أصاب أهل عسقلان مرض ، فما أكل أحد من أهل عسقلان قطعة إلّا وبرأ من ذلك المرض.
قال لي موسى : وحكت لي ستي أم الشيخ عمر زوجة الشيخ أبو عمر قالت : جاء الشيخ أبو الحسين إلينا ليلا بمردا قرية من نابلس ، في وقت بارد (٧١ ـ و) فقعد عند جماعتنا ساعة وبين أيديهم نار يصطلون بها ، ثم نهض قائما ، فقالوا له : يا سيدي أين تمشي في هذا الوقت المظلم البارد؟ فقال : أنا آخذ من هذه النار
__________________
(١) الجوبة : الحفرة. القاموس.
![بغية الطلب في تاريخ حلب [ ج ١٠ ] بغية الطلب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2294_bagheyat-altalab-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
