رحمهالله ، خبر ما عليه الناس من إخافة عدوهم ، واهتضام عرصتهم (٦١٣) واستهداف عقوتهم (٦١٤) ، فأمر بارتياد محل لتأسيس مدينة ، فاختير على غلوات منهم ، محل أرضه صخر منطبق على تراب يتأتّى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا ، بعيد المهوى ، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدّة للاختزان عن أضرار السماء ، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء (٦١٥). فشرع في البناء واستبعد الفضاء ، ومثلت الأبواب العديدة ، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حمامه وانصرام أيّامه ، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واجتياز حسنته.
وتلقّانا مشرف المجبي بها الشيخ الفقير الخيّر أبو عبد الله اللّجائي (٦١٦) ، قريع الأمانة والفضل ، العف اليد ، الحصور عن مساس الجباية ، المتّصل الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة ، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العشرة ، الجواد على كونه منينا (٦١٧) ما ، عدم العتاد في حال الكبرة. تلقّانا في جملة من أتباع الخدمة ، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول ، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزّمّوري (٦١٨) ، رجل مختصر البنية والثواب قد طرقه الوخط على حداثة ، يحفظ غثاء من منقول كتب التفسير وغيرها ، ذاكر لمسائل متعدّدة ، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادة لا جهلا بقانون
__________________
المغرب الأقصى. وكان مغرما بالعلوم والبناء وتوفي في عام ٧٥٩ ه وقيل مات قتيلا. راجع ترجمته وثورته على أبيه وأسبابها في (ابن خلدون : العبر ج ٧ ، ص ٢٧٨ ـ ٢٨٧ ؛ ابن الخطيب : اللمحة البدرية ص ٩٣ ـ ٩٥ ؛ أبن الأحمر : روضة النسرين ص ٢٣ ـ ٢٤)
(٦١٣) العرصة : ساحة الدار وجمعها عراص وأعراص وعرصات.
(٦١٤) العقوه : الساحة والمحلة وجمعها عقاء.
(٦١٥) هذه العبارة تدل على سعة دراية أهل المغرب بهندسة البناء في ذلك العصر.
(٦١٦) لعله من أسرة عبد الرحمن اللجائي (المتوفى ٧٧١ ه) الذي أدخل مختصر ابن الحاجب المصري في الفقه المالكي إلى المغرب. انظر (ابن القاضي : درة الحجال ، ج ٢ ، ص ٣٥٦ رقم ٩٨٦).
(٦١٧) المنين : الضعيف وجمعها منن.
(٦١٨) راجع ترجمته في (المقّري : نفح الطيب ج ٧ ، ص ٢٦١ ، أحمد بابا : نيل الابتهاج ص ٢٧٧ ، ابن القاضي : جذوة الاقتباس ص ١٤٨ ، انظر كذلك (ابن الأحمر : روضة النسرين ص ٧ من المقدمة.
