[حديث ملك القمار وزيره وقصته مع ملك الزايج]
فقيل انّ هذا الملك تقلّد الملك على القمار في قديم الأيام ، وهو حدث متسرع ، وانّه جلس يوما في قصره وهو مشرف على واد يجري بالماء العذب ك (دجلة) العراق ، وبين قصره والبحر مسيرة يوم ، ووزيره بين يديه ، إذ قال لوزيره ـ وقد جرى ذكر مملكة المهراج وجلالتها وكثرة عمارتها وما تحت يده من الجزائر ـ في نفسي شهوة كنت أحبّ بلوغها ، فقال له الوزير ـ وكان ناصحا وقد علم منه السرعة ـ ما هي أيّها الملك ، قال : كنت أحبّ أن أرى رأس المهراج ملك الزايج في طست بين يديّ ، فعلم الوزير أنّ الحسد أثار هذا الفكر في نفسه ، فقال : أيّها الملك ما كنت أحبّ أن يحدّث الملك نفسه بمثل هذا إذ لم يجر بيننا وبين هؤلاء القوم لا في فعل ولا في حديث ترة (١) ، ولا رأينا منهم شرّا ، وهم في جزيرة نائية غير مجاورة لنا في أرضنا ، ولا طامعين في ملكنا ، وليس ينبغي أن يقف على هذا الكلام أحد ولا يعيد الملك فيه قولا ، فغضب ولم يسمع من الناصح ، وأذاع ذلك لقوّاده ومن كان يحضره من وجوه أصحابه ، فتناقلته الألسن حتّى شاع واتّصل بالمهراج وكان جزلا (٢) متحرّكا محنّكا ، قد بلغ في السنّ مبلغا متوسّطا ، فدعا بوزيره ، وأخبره مما اتّصل به ، وقال له : ليس يجبّ مما شاع من أمر هذا الجاهل وتمنّيه ما تمناه بحداثة سنّه وغرّته وانتشار ذلك من قوله أن نمسك عنه ، فانّ ذلك مما يفتّ في عضد الملك وينقصه ويضع منه وأمره بستر ما جرى بينهما ، وأن يعدّ له ألف مركب
__________________
(١) ثتره : الأقاويل الباطلة ونحوها.
(٢) كذا في الاصل وفي اللغة الجزل العظيم وصاحب الرأي السديد.
