بالزئبق ، ثم أدخل النار فسبك ، ثم أخرج فضرب ، وكتب في أحد شقّيه : لا إله إلا الله ، وفي الآخر : محمد رسول الله ، ثم وجّه إلى أمير المؤمنين فأمر بإدخاله بيت ماله ، ووكّل به عوج القلانس صهب السبال (١) ، ثم وهبه لجارية حسناء وأنت والله أقبح من قرد ، أو رزقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صفرد (٢) ، فهل ينبغي لك أن تمسّ الدرهم إلّا بثوب ، أو تراه إلّا من بعد؟
وفي الحديث : إنّ أوّل من ضرب الدينار والدرهم حين استخراج المعادن آدم (ع) وقال : لا تصلح المعيشة إلّا بهما.
وذكر وهب بن منبّه (٣) : إنّ في التوراة : الدينار والدرهم خواتيم رب العالمين ، من جاء بخاتم ربّ العالمين قضيت حاجته.
وكان أنوشروان يقول : من زعم أنّه لا يحبّ المال فهو عندي كاذب حتى يصدق ، فإذا ثبت صدقه فهو عندي أحمق.
وكان الحصين يقول : وددت لو أنّ لي وزن رضوى ذهبا لا أنتفع منه بشيء ، قالوا : فما يجدي عليك إذن؟ قال : تعظمني له حمقى الرجال. وقال محمود الوراق (٤) :
|
أرى كلّ ذي مال يبرّ لماله |
|
وإن كان لا أصل هناك ولا فصل |
|
فشرّف ذوي الأموال حيث لقيتهم |
|
فقولهم قول وفعلهم فعل |
وتلطّف الشيخ الفاضل شرف الدين يحيى بن عبد الملك العصامي (٥) من
__________________
(١) الصهب (بالضم) جمع الأصهب ، وهو الذي يخالط بياضه حمرة. السبال جمع السبلة (محركة) : مجتمع الشاربين ، ويريد بهم الجند.
(٢) الصفرد (بكسر الصاد والراء وسكون الفاء) : طائر من خشاش الطير يضرب به المثل في الجبن.
(٣) وهب بن منبّه : من التابعين توفي سنة ١١٤ ه (الأعلام ٩ / ١٥٠).
(٤) هو محمود بن الحسن الوراق توفي في حدود المائتين والثلاثين هجرية (طبقات ابن المعتز / ٣٦٧ ، ونهاية الأرب للنويري ٣ / ٨٨ ، وفوات الوفيات ٢ / ٥٦٢).
(٥) توفي شرف الدين العصامي سنة ١٠٧٤ ه (أنوار الربيع ٢ / ١٨٢).
