|
لقد أمست الأرحام منّا على شفا |
|
فأخلق بمشف لا يعلّل أن يقضي |
|
على غصص لو كنّ في البدر لم ينر |
|
وفي العود لم يورق وفي العضب لم يمض (١) |
وجملة الحال الآن كما قال الصلاح الصفدي (*) :
|
لزمت بيتي مثل ما قيل لي |
|
ولم أعاند حادث الدّهر |
|
وليس لي درع يردّ الرّدى |
|
أستغفر الله سوى صبري |
|
علما بأن البؤس رهن الرّخا |
|
وغاية العسر إلى اليسر |
|
وقد يسلّ السيف من غمده |
|
ويخرج الدرّ من البحر |
|
وتبرز الصّهباء من دنّها |
|
ويرجع النّور إلى البدر |
والحكاية المشار إليها هي هذه :
حدّث بعضهم قال : كنت بالشام متصرّفا في بعض أعمال السلطان فلم تنبسط يدي لأداء ما لزمني من المال ، فأدخلت في الحبس ـ حبس الجرائم ـ فرأيت ساعة حصلت فيه من عظيم بلاء أهله ، وقبح صورهم ، وموحش أمرهم ، وما كانوا عليه من وسخ الثياب ونتن الروائح ما حبّب إليّ الموت ، وصارت بليتي بواحدة عشرا ، واندفعت أبكي وأنتحب وأدعو وأتململ. فأقبل عليّ أهل السجن وقالوا : ما لك تبكي؟ أما لك بنا أسوة وفينا سلوة؟. فلم يكن قولي إلّا أن قلت : اعذروني فإنني ما ألفت الشقاء وبؤس المعيشة ، ورزاحة الحال وسوء المسكن. فقالوا : ولا كلّنا أهل بلاء وشقاء ، وفينا ضروب من المترفين المنعّمين ، وفينا من ظلمه خمارويه بن طولون (٢) على غير حقّ ليقتلنا ، وعساك حبست على مال ، وأخذت بواجب. ثم انّ في هذا الحبس واحدا من أولاد الأمراء لم نر أنبل منه ولا أجلّ ولا أرفع محلا ، ولا أسوء ـ
__________________
(١) في الديوان (وفي السهم لم يمض).
(٢) هو خمارويه بن أحمد بن طولون من ملوك الدولة الطولونية. قتل سنة ٢٨٢ ه (الأعلام ٢ / ٣٧٠).
