القسمين كانت نفسه أبدا تسف ولا تعف ، ويده تكف ولا تكفّ ، ووطأته تثقل ولا تخف ، فلا ترب من تنزّه وعف ، ولا أثرى ، من رضي لنفسه بدنيء المكسب وأسف ، وما (٥٢ و) يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأني ، والاجتهاد في إصلاح الفاسد ، واستصلاح المعاند ، واستفاءة الشارد بالمعصية إلى طاعته ، وإعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته ، وأمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولا يؤثر عنده (١) في المشرق والمغرب ، ويصل إلى الأبعد والأقرب :
«إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ والاتفاق» ، ولم يوقع إسمها عليك ، ويعذق (٢) بك أمرها إلا باستيجاب واستحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله ، والعبء إلى حامله ، والمكفول إلى كافله ، وكم أفرجت عن الطريق إليها لسواك ، واجتهدت أن يعدوك مقامها إكبارا له فما عداك ، والله يكبت بجميل رأي المؤمنين حسدتك وعداك ، ويتولاك بالمعونة على ما قلدك وولاك ، ويمتعه ببقائك كما امتعه بكفايتك وغنائك ، ويخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك ، بمنه وكرمه ، والسلام عليك ورحمة الله ، وكتب يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثماني عشرة وأربعمائة.
__________________
(١) كذا في الأصل ، وأحسن منها «عنه».
(٢) رجل عذق : فيه شدة وبخل وعسر في خلقه. العين
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)