الحوارة (١) ، وفي ثمارها ومائها وسائر أقواتها من البركة مما لا يخفى على الفطن. قلت : فو الله إني رأيت نهرها وهو صغير جدا بحيث لو أراد أدنى الناس قطعة لقطعه ، وهو يزيد على كفاية حلب مع ما فيها من كثرة البساتين والقساطل والخانات والبرك والأحواض ، بحيث لو شاهد أحد ذلك لاعتقد أن دجلة تعجز عنه. ورأيت كرومها وأشجار التين والزيتون والفستق واللوز تعيش بلا ماء ، كذلك البطيخ الأخضر والأصفر. ورأيتهم يبذرون في ترابها وهو جاف غاية الجفاف فينبت ، وما ذلك إلّا لطيب تربتها ، الناشىء جميع ذلك من دعوة سيدنا إبراهيم الخليل ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال ابن العديم (٢) في تاريخ حلب : كان فيها مقام إبراهيم الخليل واستوطنها ، وكانت له ، ثم أمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة ، فخرج عنها ، فلما بعد عنها ميلا نزل وصلى هناك ، وهو إلى الآن يعرف ذلك المكان بمقام (١٠٨ ب) إبراهيم الخليل ، قبل حلب ، فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها ، ثم رفع يديه وقال : اللهم طيب ثراها وهواءها وحببها لأبنائها ، فاستجاب الله دعاءه فيها ، فصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبها ، وإذا فارقها التفت وبكى ، انتهى. قلت : ومن نعم الله تعالي أني أحببتها حبا يوازي حب وطني ، ولما فارقتها تأسفت عليها وحزنت ، ولما بعدت عنها نحو ميل التفت إليها متباكيا اقتداء بالسيد إبراهيم الخليل. أما قلعتها فهي على تل عال ، وهو الذي (كان) (٣) يسكن فيه إبراهيم الخليل ، وله فيها مقامان ، أعلى بالمسجد الجامع ، وهو الموضع الذي كان يحلب فيه الغنم ، وموضع أسفل. وفي الجامع أيضا رأس يحيى بن زكريا موضوع في جرن. وقد زرت جميع ذلك
__________________
(١) الحوارة هنا : البيضاء.
(٢) هو مؤرخ حلب النابه كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي ، ابن العديم ، المتوفّى سنة ٦٦٠ ه / ١٢٦٢ م ، أرخ لحلب في كتاب ضخم سماه (بغية الطلب في تاريخ حلب) في نحو أربعين مجلدا ، حفظ الزمان منها عشرة مجلدات ، وقد نشرها الأستاذ فؤاد سزكين بالتصوير عن نسخة آيا صوفيا باستنبول.
(٣) ليست في ب.
