ويمضي الجندي في الفقرة المماثلة من تاريخه قائلا : «فجعلت السيدة المفضل مكانه (أي مكان شقيقه خالد). فمن وقت طلوعه تعند بالفقهاء ، وأظهر عداوتهم وقبض أراضي القاتل وقومه ، وهي الأملاك القديمة في ذي سفال. وهرب غالب الفقهاء عن مجاورة التعكر خوفا من سطوته». وقد ذكر ما فعل مع أصحاب الفقيه زيد عند ذكره ، وصار المفضل رجل البيت ومدبر الملك الذاب عنه ، ولم تكن تقطع السيدة (١) أمرا دونه ، فبذلك عظم شأنه وعلت كلمته ، ولم يبق في أعيان الدولة من يساميه ولا يساويه. وغزا تهامة مرارا له وعليه ، وكانت له مكارم ومفاخر ، ولكنها دون مكارم سبأ المقدم ذكره ، وكان المفضل جوادا ممدحا ، يقصده الشعراء من جميع الأنحاء ، يمدحونه فيثيبهم على ذلك ثوابا مغنيا. وإليه قدم مواهب بن جديد المغربي (٢) وامتدحه بغرر قصائده ، من بعضها قوله :
|
يا مالك الدين والدنيا وأهلهما |
|
ومن بعزته الإسلام ممتسك |
|
قد قيل جاور لتغنى البحر أو ملكا |
|
وأنت يا ابن الوليد البحر والملك |
ومن آثاره المبقية للذكر جره للغيل من خنوة (٣) إلى مدينة الجند (٤) ، ولقد مر به في مواضع احتفر بها طريقه ، ونقر في الصفا حفرا عديدة ، وأجرى الماء فيها ، ثم لما جاء بين جبلين اجتاز الصناع ذلك ببناء جدار
__________________
(١) هي الملكة أروى ابنة أحمد زوجة الملك المكرم أحمد بن علي الصليحي. (انظر الباب السادس من كتاب (الصليحيون) من ص ١٤٢ ـ ٢١٢) ؛ وانظر : الملكة أروى سيدة ملوك اليمن للناشر.
(٢) كفاية : ٥٥ ؛ وفي الأصل المعري.
(٣) خنوة : وهي من أخصب قرى اليمن ، وهي شمالي الجند ، ولا يزال هذا الغيل موجودا إلى الآن (الصليحيون : ١٦٦ هامش ١).
(٤) ذهب الأهدل عند ما ذكر قيام سيف الإسلام طغتكين لتأسيس بلدة (...) سنة ٥٩٢ ه. إلى أن هذه البلدة شيدت على مسافة تقدر بمسيرة ربع يوم من جنوب الجند ، ويضيف أن السلطان أحيا رخاء واديها المعروف باسم خنوة بالخاء التي صارت مأوى للحيوانات الضارية. وأنه شيد في بلدة خنوة بينمارستانا لضيافة الغرباء. ولا بد أن هذه القرية كانت تقع على مقربة من قلعة دملوة. (كاي).
