ثلاث وعشرين وسبعمائة في عيد الأضحى رحمة الله عليه ، وتوفي الشيخ صالح عام سبع وسبعمائة ، وقد قارب عمره السبعين.
وكان من أرباب القلوب وأصحاب العوارف والمعارف والعكوف على العبادة والخير : الشيخ العالم الورع الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن مالك بن سهل المقرئ النحوي المتقن ، المحدث الإمام الفلكي الأندلسي الغرناطي (١).
صحبته فلم أر أحدا وصل إلى مقامه في التوجه والمحافظة على أوراده من صيامه وقيامه ، كان من بيت الوزارة بالأندلس ، فلما توفي والده تخلى عن القربة من أهل الإمارة ، واشتغل بنفسه ، وورث مالا كثيرا فكان يقتات به وينفق منه ، ولا يأكل من غيره ولو عرض عليه ، كان رحمهالله رحلة في الفقه ، وله يد طولى في علم الهيئة ، لم يصل أحد إلى ما وصل إليه إلا القليل ، وكان يقسم لي بالله تعالى أنه ما ازداد بعلمها إلا يقينا ، له مقامات لا يصل إليها أحد من المجاهدات إلا من سبقت له العناية الأزلية والمواهب العلية.
نزل معي في منى وكان لا يترك قيام الليل لا في سفر ولا في حضر ، فقام تلك الليلة في منى على عادته ، فلما أصبح طلبت منه «مناسك الحج» لابن مسدي رحمهالله ، وكان لا يتركها إذا حجّ ، وكانت نسخة عظيمة بخط أخي عليّ رحمهالله مجلدا كبيرا ، وفي هذا الكتاب التعرض لذكر المذاهب كلها ، وأردت أن أكشف على مسألة. فقال لي : والله قد سرقت البارحة هي والبرنس والسيف.
فقلت له : وكيف ذلك؟
قال : جاء السارق من وراء المحارة وأنا في الصلاة أنظر إليه ، فهمّت نفسي بأخذه أو الصّياح عليه ، فآثرت صلاتي ، وقلت : دعه ، ما أنا فيه خير مما يفوتني. انظر هذا المقام العظيم!
__________________
(١) ترجمته في : «معجم الشيوخ» للذهبي ٢ / ٢٧٢ (٨٣٤) ، «درة الحجال» ٢ / ١٠٠ (٥٣٣) ، «الدرر الكامنة» ٤ / ١٧٨ (٤٨٣).
