دار الحديث ثم ارتحلا إلى بلاد حلب فأوطناها إلى الآن ، ورتب لهما السلطان في «البيره» من أعمال حلب ما يكفيهما ، واشتهر فضلهما وذكرهما ، وخدمهما رؤساء البلاد وسراة الناس ، ومدحهما الأدباء وكتّاب الإنشاء وتخرج بهما الطلبة ، وهما اليوم في تلك البلاد ملاذا للغرباء وملجأ للمظلومين وشفاعتهما مقبولة وكلمتهما عالية ، أبقاهما الله تعالى بقاءا جميلا.
واعلم أنه كان للشيخ محمد البلاسي عبد اسمه سعيد أعتقه وجعله من جملة الفراشين بالحرم ، وأعقب سعيد ولدا مباركا نجيبا فراشا في الحرم اشتهر باسم الشيخ محمد البلاسي (١) سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وكان برباط مراغة الموقوف على الفقراء الصوفية المجردين جماعة صالحون أكثرهم مغاربة ممن جاهد واجتهد جمعوا بين العلم والعمل.
منهم الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد العصيّاتي كانت إحدى رجليه قصيرة مخلوعة مذبذبة لا يتحمل على الأخرى إلا بعصاتين ، وكانت له أحوال عجيبة ومكاشفات صحيحة ، ألفه الخدام واعتقدوه وقاموا بحقه لما علموا مكانته ، وكان أعظمهم له موالاة وخدمة الطواشي شمس الدين شفيع (٢) رحمهماالله تعالى.
قال لي يوما : رأيت الشيخ عز الدين الزرندي المتقدم ذكره في النوم ، وكان قد توفي في طريق العراق بعد الإقامة الطويلة في الحرمين ، فقال لي : سلّم على أولادي وقل لهم : قد حملت إليكم ودفنت بالبقيع عند قبة سيدي العباس ، فإذا أرادوا زيارتي فليقفوا هنالك ويسلّموا علي ويدعوا لي.
قلت : ما ذكره الشيخ صالح من رؤياه حق ، فقد شاهدت شخصا كان مسرفا على نفسه شديدا في تشيّعه ، وكان يوما يهدم حائطا ، فذكر عنه أنه صدر منه كلام في حق الصّحابة فسقط عليه الحائط فهلك فدفن بالبقيع.
فلما كان اليوم الثاني من موته أصبح القبر خاليا منه ليس في اللحد
__________________
(١) ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٢ / ٤٨٠ (٣٧٨٣).
(٢) هو : شفيع الطواشي ، شمس الدين الكرموني. ترجمته في : «التحفة اللطيفة» ٤٤٤١ (١٧٤٠) ، «المغانم المطابة» الورقة ٢٤١ / ب.
