اشتدّ عليّ كلامك ازددت لك هيبة. فتقدّم إليه عبادة ، فقال : قد سمعت مقالتك ، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلّهم أشدّ سوادا منّي وأفظع منظرا ، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي. وأنا قد ولّيت ، وأدبر شبابي ، وإنّي مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوّي لو استقبلوني جميعا ، وكذلك أصحابي ؛ وذلك إنّما رغبتنا وبغيتنا الجهاد في الله تعالى واتّباع رضوان الله ؛ وليس غزونا عدوّنا ممّن حارب الله لرغبة في الدّنيا ، ولا طلبا للاستكثار منها ؛ إلا أنّ الله قد أحلّ ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ، وما يبالي أحدنا ، أكان له قنطار من ذهب ، أم كان لا يملك إلّا درهما! لأنّ غاية أحدنا من الدّنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعته ، وشملة يلتحفها ، فإن كان أحدنا لا يملك إلّا ذلك كفاه ، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله ، واقتصر على هذا الذي بيده لأنّ نعيم الدّنيا ورخاءها ليس برخاء ، إنّما النعيم والرّخاء في الآخرة ، وبذلك أمرنا ربّنا ، وأمر به نبيّنا ، وعهد إلينا ألّا تكون همّة أحدنا من الدنيا إلا فيما يمسك جوعته ، ويستر عورته ، وتكون همّته وشغله في رضا ربّه ، وجهاد عدوّه.
فلمّا سمع المقوقس ذلك منه ، قال لمن حوله : هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قطّ؟! لقد هبت منظره ؛ وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره ؛ إنّ هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ؛ وما أظنّ ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلّها.
ثمّ أقبل المقوقس على عبادة ، فقال : أيّها الرجل ، قد سمعت مقالتك ، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ؛ ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلّا بما ذكرت ، ولا ظهرتم على من ظهرتم عليه إلّا لحبّهم الدنيا ورغبتهم فيها ، وقد توجّه إلينا لقتالكم من جميع الروم ممّا لا يحصى عدده قوم معروفون بالنّجدة والشدّة ، ممن لا يبالي أحدهم من لقي ، ولا من قاتل ، وإنّا لنعلم أنّكم لن تقووا عليهم ، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم ، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا ، وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم ، ونحن نرقّ عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بأيديكم ؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين ؛ ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوّة لكم به.
فقال عبادة بن الصامت رضياللهعنه : يا هذا ؛ لا تغرّنّ نفسك ولا أصحابك ؛ أمّا ما تخوّفنا به من جمع الرّوم وعددهم وكثرتهم ، وأنّا لا نقوى عليهم ؛ فلعمري ما هذا بالّذي تخوّفنا به ، ولا بالذي يكسرنا عمّا نحن فيه ؛ إن كان ما قلتم حقّا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم ، وأشدّ لحرصنا عليهم ؛ لأنّ ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه ، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنّته ؛ وما من شيء أقرّ لأعيننا ، ولا أحبّ إلينا من ذلك ؛ وإنّا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين ؛ إمّا أن تعظم لنا بذلك
![حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة [ ج ١ ] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2158_hosno-almohazerah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
