وأخرج ابن عبد الحكم ، عن ابن مسعود ، قال : قلنا يا رسول الله ، فيم نكفنّك؟ قال : في ثيابي هذه ، أو ثياب مصر.
وأخرج الواقديّ وأبو نعيم في الدلائل عن المغيرة بن شعبة ، أنّه لمّا خرج مع بني مالك إلى المقوقس ، قال لهم : كيف خلصتم إليّ من طائفتكم ، ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا : لصقنا بالبحر ، وقد خفناه على ذلك ، قال : فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا : لم يتبعه منّا رجل واحد ، قال : ولم ذاك؟ قالوا : جاءنا بدين مجدّد لا تدين به الآباء ، ولا يدين به الملك ، ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال : فكيف صنع قومه؟ قال تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن ، مرّة تكون عليهم الدّبرة ومرّة تكون له. قال : ألا تخبروني ، إلى ما ذا يدعو؟ قالوا : يدعو إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونخلع ما كان يعبد الآباء ، ويدعو إلى الصلاة والزكاة ، قال : ألهما وقت يعرف ، وعدد ينتهي إليه؟ قالوا : يصلّون في اليوم والليلة خمس صلوات كلّها بمواقيت وعدد ، ويؤدّون من كلّ ما بلغ عشرين مثقالا ، وكلّ إبل بلغت خمسا شاة ؛ ثمّ أخبره بصدقة الأموال كلّها ، قال : أفرأيتم إن أخذها أين يضعها؟ قال : يردّها على فقرائهم ، ويأمر بصلة الرّحم ووفاء العهد وتحريم الزنا والربا والخمر ، ولا يأكل ما ذبح لغير اسم الله. قال : هو نبيّ مرسل إلى الناس كافة ، ولو أصاب القبط والرّوم تبعوه ، وقد أمرهم بذلك عيسى ابن مريم ؛ وهذا الّذي تصفونه منه بعثت به الأنبياء من قبل ، وستكون له العاقبة حتّى لا ينازعه أحد ، ويظهر دينه إلى منتهى الخفّ والحافر ومنقطع البحور ، قلنا : لو دخل النّاس كلّهم معه ما دخلنا. فأنغض (١) رأسه ، وقال : أنتم في اللعب! ثمّ قال : كيف نسبه في قومه؟ قلنا : هو أوسطهم نسبا ، قال : كذلك الأنبياء ، تبعث في نسب قومها ، قال : فكيف صدق حديثه؟ قلنا : يسمّى الأمين من صدقه ، قال : انظروا في أموركم ، أترونه يصدق فيما بينكم وبينه ، ويكذب على الله! ثمّ قال : فمن تبعه؟ قلنا : الأحداث ، قال : هم أتباع الأنبياء قبله ، قال : فما فعلت يهود يثرب ، فهم أهل التوراة؟ قلنا : خالفوه ، فأوقع بهم فقتلهم وسباهم ، وتفرّقوا في كلّ وجه ، قال : هم قوم حسد حسدوه ، أما إنّهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة : فقمنا من عنده ، وقد سمعنا كلاما ذلّلنا لمحمد صلىاللهعليهوسلم ، وخضّعنا ، وقلنا : ملوك العجم يصدّقونه ويخافونه على بعد أرجائهم منه ، ونحن أقرباؤه وجيرانه لم ندخل معه ، وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا!
__________________
(١) أنغض رأسه : حرّكه كالمتعجّب أو المستهزئ.
![حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة [ ج ١ ] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2158_hosno-almohazerah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
