الحكم : كان محمد بن نصر عندنا إماما ؛ فكيف بخراسان! وقال غيره : لم يكن للشافعيّة في وقته مثله. وعنه أنه قال : مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلّ سنة عشرين درهما. مات في المحرّم سنة أربع وتسعين ومائتين وهو في عشر التسعين.
قال ابن كثير في تاريخه : روى أنّه اجتمع في الديار المصرية محمد بن نصر ومحمد بن جرير ومحمد بن المنذر ؛ فجلسوا في بيت يكتبون الحديث ؛ ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه ؛ فاقترعوا فيما بينهم من يسعى لهم في شيء يأكلونه ؛ ليدفعوا عنه ضرورتهم ، فجاءت القرعة على أحدهم ؛ فنهض إلى الصّلاة ، فجعل يصلّي ، ويدعو الله ؛ وذلك وقت القيلولة ، فرأى نائب مصر وهو نائم وقت القيلولة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وهو يقول له : أنت ههنا والمحمّدون ليس عندهم شيء يقتاتونه! فانتبه الأمير من منامه ؛ فسأل : من ههنا من المحمّدين؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة ، فأرسل إليهم في الساعة بألف دينار.
ويشبه هذا ما حكاه ابن كثير أيضا في ترجمة الحسن بن سفيان الفسويّ محدّث خراسان ، قال : من غريب ما اتّفق له أنّه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم للحديث ؛ منهم محمد بن خزيمة ومحمد بن جرير ومحمّد بن هارون الرّوياني ؛ فضاق عليهم الحال حتّى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون شيئا ؛ واضطرهم الحال إلى السؤال ؛ فأنفت نفوسهم من ذلك ؛ ثمّ ألجأتهم الضّرورة إلى تعاطي ذلك ؛ فاقترعوا فيما بينهم ، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان ، فقام فاختلى في زاوية المسجد الّذي هم فيه فصلّى ركعتين طال فيها ، واستغاث بالله وسأل بأسمائه العظام ؛ فما انصرف من الصّلاة حتّى دخل المسجد رجل ، فقال : أين الحسن بن سفيان ورفقته؟ فقالوا : ها نحن ، فقال : الأمير ابن طولون يقرأ عليكم السلام ، ويعتذر إليكم في تقصيره؟ وهذه مائة دينار ؛ لكلّ واحد منكم ؛ فقالوا له : ما الحامل له على هذا؟ فقال : إنّه أحبّ اليوم أن يختلي بنفسه ؛ فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء ، بيده رمح ؛ فدخل عليه المنزل ، ووضع عقب الرمح في خاصرته ، فوكزه به ، وقال : قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه قم فأدركهم ، قم فادركهم ؛ فإنّهم منذ ثلاثة أيام جياع في المسجد الفلانيّ ، فقال له : من أنت؟ قال : أنا رضوان خازن الجنان ؛ فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا ؛ فبعث بالنفقة في الحال ؛ ثمّ جاء لزيارتهم ، واشترى ما حول ذلك المسجد ، ووقفه على الواردين إليه (١).
__________________
(١) تهذيب التهذيب : ٩ / ٤٨٩. تقريب التهذيب : ٢ / ٢١٣. الكاشف : ٣ / ١٠٣. معجم المؤلّفين : ١٢ / ٧٨. طبقات الحفاظ : ٢٨٤. الوافي بالوفيات : ٥ / ١١.
![حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة [ ج ١ ] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2158_hosno-almohazerah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
