فإن بحارة هذه السفن غالبا ما يرسلون قاربا فيه شىء من القمح لمن يقيمون فى تلك الجزيرة ، أو قد يرسلون إليهم شيئا من الزبد ، والبسكويت ، والبن ، نظرا لأنهم يعدون الشيخ حسان هذا راعيا لهذه البحار. عند ما أبحرنا بالقرب من هذه الجزيرة ، صنع ريس المركب الذى كنا على ظهره رغيفا كبيرا من الخبز ، وسواه فى الجمر الناتج عن النار ، وأعطى كل من كان على ظهر السمبوك لقمة من ذلك الرغيف ، من باب تكريم وتشريف ذلك الولى ، وبعد أن تناولنا تلك اللقمات قدم الرجل لكل واحد منا كوبا من القهوة.
البحارة العرب ، بصفة عامة ، يؤمنون بالخرافات إلى حد بعيد ، وهم ينظرون إلى بعض المسارات نظرة خوف وفزع ؛ لا لأن هذه المسارات أخطر من غيرها ، وأنما لأنهم يعتقدون أن الأرواح الشريرة تسكن فيما بين الشعاب المرجانية ، وأنها قد تسحب السفن إلى المناطق الضحلة ، وتسبب لها الارتطام ؛ ولهذا السبب نفسه ، يواظب البحارة بصورة مستمرة بعد كل ميل ، على إلقاء حفنة من الأطعمة فى البحر ، قبل أن يجلسوا لتناول الطعام ؛ ظنا منهم أن ساكنى البحر يتعين أن يحصلوا أيضا على طعامهم ، وإلا اعترضوا طريق المركب وعرقلوا مسيرها. نسى ريس المركب ذات يوم ، أن يفعل هذا الشىء ، لكنه عند ما تذكر ذلك ، أمر بخبز رغيف طازج ، وألقاه فى البحر.
كنا نلتقى كل يوم سفنا قادمة من مصر ، كانت ترسو فى ذلك الخليج ، ويصل عدد هذه السفن فى المساء إلى ثلاث سفن أو أربع. فى المناسبات التى من هذا القبيل تدور المشاجرات حول الماء ، وكانت السفن تضطر إلى البقاء يوما أو يومين قبل أن يحضر البدو كمية كافية من الماء إلى الشاطئ. الزبد ، والحليب ، والعسل والأغنام والماعز ، والسمك المملح والحطب ، وأغصان الأراك وعيدانه التى يصنع البدو منها المساويك ، كل هذه الأشياء متوفرة وتجرى مقايضتها بالقمح أو التبغ. البدو لصوص جسورون ، بل إنهم يسبحون فى الماء ليصلوا إلى السفن أثناء الليل ، لكى يترقبوا الفرصة عند ما تسنح لهم بسرقة شىء من الأشياء. الماء على الشاطئ كله سيئ للغاية ، اللهم باستثناء كل من الوجه وضبا. والوجه التى تبعد مسافة مسير ثلاثة أيام فى اتجاه
![ترحال في الجزيرة العربية [ ج ٢ ] ترحال في الجزيرة العربية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2156_tarhal-fe-aljazerat-alarabeyah-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
