وفي أيامه جدد عمارة منارة حلب بالجامع في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة واسمه منقوش عليها الى اليوم ؛ وهو الذي أمر ببناء مشهد قرنبيا ووقف عليه الوقف وأمر بتجديد مشهد الدكة (١).
أخبرني عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري قال : كان قسيم الدولة آق سنقر أحسن الأمراء سياسة لرعيته ، وحفظا لهم ، وكانت بلاده بين عدل عام ، ورخص شامل ، وأمن واسع ، وكان قد شرط على أهل كل قرية في بلاده متى أخذ عند أحدهم قفل ، أو أحد من الناس ، غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل أو كثير ، فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا ، وقام أهل القرية يحرسونهم الى أن يرحلوا ، فأمنت الطرق ، وتحدث الركبان بحسن سيرته (٢).
سمعت والدي القاضي أبا الحسن ـ رحمه الله ـ يقول لي فيما يأثره عن أسلافه : إن قسيم الدولة آق سنقر كان قد نادى في بلد حلب بأن لا يرفع أحد متاعه ولا يحفظه في طريق ، لما حصل من الأمن في بلده.
قال : فخرج يوما يتصيد ، فمر على قرية من قرى حلب ، فوجد بعض الفلاحين (٢٦٧ ـ ظ) قد فرغ من عمل الفدان وطرح عن البقر النير ورفعه على دابة ليحمله الى القرية ، فقال له : ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد متاعا ولا شيئا من موضعه؟! فقال له : حفظ الله قسيم الدولة قد أمنا في أيامه ، وما نرفع هذه الآلة خوفا عليها أن تسرق ، لكن هنا دابة يقال لها ابن آوى تأتي الى هذا النير فتأكل الجلد الذي عليه ، فنحن نحفظه منها ، ونرفعه لذلك.
قال : فعاد قسيم الدولة من الصيد ، وأمر الصيادين فتتبعوا بنات آوى في بلد حلب فصادوها حتى أفنوها من بلد حلب.
قلت : وهي الى الآن لا يوجد في بلد حلب منها شيء إلا في النادر دون غيرها من البلاد.
__________________
(١) من أجل ولاية آق سنقر لحلب وحياته انظر كتابي مدخل الى تاريخ الحروب الصليبية : ٢٠٨ ـ ٢٢٠.
(٢) التاريخ الباهر لابن الاثير ـ ط. القاهرة ١٩٦٣ : ١٥.
![بغية الطلب في تاريخ حلب [ ج ٤ ] بغية الطلب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2139_bagheyat-altalab-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
