عن ذلك ، فأغراه بعتبة جارية ريطة بنت أبي العباس ، فلبس مدرعة صوف ، وطلب عتبة (١٥٤ ـ و) وسأل عنها فدل عليها وهي تسأل بعض عجائز القصر أرق مسألة ، فتعرض لها أبو العتاهية فقال :
|
فديتك تجميش (١) العجوز بلية |
|
ولا سيما من برة متبتلة (٢) |
فأمرت فوجىء في عنقه ورأته في زي مجنون فخلت سبيله ، فرجع إلى الهيثم ابن عدي فشكا إليه ، فقال : إنما أشرت عليك أن تشبب بها وتدعي عشقها ، لم أشر عليك أن تأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر ، وقد وقع الجنون بحيث أردت فالزم هذا فعسى ان تنال خيرا ، ففعل فكان يتبع عتبة في الطرقات وينشدها أشعاره ، وإذا دخلت إلى بيتها جلس لها حتى تخرج ، فاستطرف الناس ذلك منه ، وكنوه بأبي العتاهية ، وضرب وحبس فلم يزده ذلك إلّا بصيرة في أمره ، وكان ذلك سببا له إلى بلوغ ما أمّل.
أخبرنا عبد الصمد بن الحرستاني ـ إذنا ـ قال : أخبرنا أبو الحسن بن أحمد الغساني قال : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال : أخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثني محمد بن موسى البربري قال : أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الهاشمي عن أبي شعيب أحمد بن يزيد صاحب ابن أبي دؤاد قال : قلت لأبي العتاهية : يا أبا اسحاق حدثني بقصتك مع عتبة فقال لي : أحدثك ، قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبابا أدباء ، وليس لنا ببغداد من نقصده ، فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر فكنا نبكر فنجلس في المسجد (١٥٤ ـ ظ) الذي بباب الجسر في كل غداة ، فمرت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سودان ، فقلنا : من هذه؟ قالوا : خالصة ، فقال أحدنا : قد عشقت خالصة ، وعمل فيها شعرا فأعناه عليه ، ثم لم يلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيضان ، فقلنا : من هذه؟ فقالوا عتبة ، فقلت : قد عشقت عتبة ، فلم نزل كذلك في كل يوم الى أن التأمت لنا أشعار كثيرة ، فدفع صاحبي شعره الى خالصة ودفعت أنا شعري الى عتبة ، وألححنا الحاحا شديدا ، فمرة تقبل أشعارنا ، ومرة نطرد ، الى
__________________
(١) الصوت الخفي والمغازلة والملاعبة. القاموس.
(٢) لم يرد هذا البيت في ديوانه المطبوع.
![بغية الطلب في تاريخ حلب [ ج ٤ ] بغية الطلب في تاريخ حلب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2139_bagheyat-altalab-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
