منها تعسفا وتكلفا لخفائها وبعد الأخذ منها كما يشهد صادق الذوق بذلك فى شاهد الإخلال المشار إليه بقوله : (كقوله) أى : الشاعر :
(والعيش خير فى ظلال النوك) (١)
أى : الحمق والجهالة وعبر بالعيش فى الظلال عن العيش تحت ذلك الحمق والاطمئنان فى العيش إلى مقتضاه (من) عيش (من عاش كدا) أى : مكدودا متعوبا فهو مصدر فى معنى المفعول ، فقوله : العيش على حذف الوصف (أى) العيش (الناعم و) قوله : عاش يتعلق به مجرور محذوف أى : خير ممن عاش (فى ظلال العقل) أى : تحت العقل وتأملاته ، فأصل الكلام على هذا العيش الناعم فى ظلال الحمق خير من العيش الضيق المتعوب صاحبه فى ظلال العقل ، ولا يفهم هذا المراد حتى يتأمل فى ظاهر الكلام ، وأنه لا يصح لاقتضائه أن العيش ولو بالنكد مع الحمق خير من العيش بالنكد فى ظلال العقل ، وهو غير صحيح لاستوائهما فى النكد وزيادة الثانى بالعقل الذى من شأنه التوسعة وإطفاء بعض نكدات العيش ، فيصحح الكلام بالتقدير المذكور فجاء إخلالا لكونه غير واف لعدم تبادر المراد منه ، وقيل إن الكلام على ظاهره وأن المراد تفضيل عيش الحمق مطلقا على عيش العقل مطلقا وزيادة قوله كدّا ، كالتأكيد بناء على أن عيش الحمق ليس إلا ناعما وعيش العقل ليس إلا نكدا ؛ لأن الأول يتنعم بما وجد لا يضيق على نفسه لشيء والثانى يتأمل فى العواقب والآفات وخوف الفناء والممات فلا يجد للعيش لذة ولو كان بحسب الظاهر ناعما ، فكنى بالعيش المكدود صاحبه عن العيش العقلى ، وكنى عن العيش الناعم بالعيش الحمقى ورد بأن هذا التعب مع العقل مطلقا ولو تقرر فى نفسه عند العقلاء وأقروا بصحته إنما يصدر من العقل النادر فلا يقصد فى المحاورات ؛ لأن الكثير أن العيش الناعم يوجد مع العقل فالمقصود ما تقدم.
__________________
(١) البيت للحارث بن حلزة فى ديوانه ص (٤٧) ، وجمهرة اللغة ص (١٠٠) والأغانى (١١ / ٤٤) ، وبهجة المجالس (١ / ١٨٧) ، والشعر والشعراء ص (٢٠٤) ، وشعراء النصرانية (٤١٧) ، وكتاب الصناعتين ص (٣٦ ، ١٨٨).
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
