الاستفهام الذى هو على وجه التهكم من الكافرين ليس المراد منه أن الصلاة هل هى الآمرة أم لا؟ بل المراد يأمرك ربك فى صلاتك؟ أى فى تلبسك بها وملازمتك لأمرها ، فأوجبت لك الحظوة والاختصاص بأن يأمرك ربك أن نترك نحن أمرا عظيما هو عبادة الآباء ، والقصد منهم ـ لعنة الله عليهم ـ الاستهزاء به وبالصلاة ، وأنه لا يستحق بها شيئا من الخصوصية التى ادعى ، وليس عنده مزية أخرى فى زعمهم الفاسد سواها ، فهو من الإسناد الإنشائى الذى حقه أن يكون للفاعل ، وحول إلى المتعلق بالحرف مجازا ، ويحتمل أن يكون أوقات صلاتك تأمرك التى تلازم الصلاة فيها ، ومن هذا القبيل قولك مثلا : ليجد جدك أى : لتعظم عظمتك بمعنى لتجد أنت أى : لتعظم عظمة وليصم نهارك أى : ولتصم أنت فى نهارك لزوما ، وغير هذا مما ليس الغرض منه أمر المذكور لعدم صحة وقوع الفعل منه ، بل الغرض ملابسه ، وكذا نحو قولنا : لا ينم ليلك ، ولا يصم نهارك ، وغيره مما النهى فيه لغير ما وجه له ، لعدم صحة صدور ترك المنهى عنه ممن وجه له النهى ، وكذا فى التمنى كقولك : ليت النهر جار فإن المتمنى جريه هو الماء لا النهر وأسند المتمنى إلى ملابسه مجازا (ولا بد له) أى للمجاز العقلى (من قرينة) تدل على إرادة خلاف الظاهر ، وهذا تحقيق لما استفيد من تعريف المجاز ؛ لأن إرادة الخلاف مبنى على ما يظهر من حال المتكلم لا على ما فى الباطن كما تقدم ، ومعلوم أن فهم خلاف الظاهر إنما يكون بالقرينة الصارفة عن الظاهر ؛ لأن المتبادر عند انتفائها هى الحقيقة (لفظية) نعت لقرينة (كما مر) فى قول أبى النجم :
أفناه قيل الله للشمس اطلعى
(أو معنوية كاستحالة قيام المسند ب) المسند إليه (المذكور) مع المسند (عقلا) أى : استحالة من مجرد تعقل معنى النسبة لكون الاستحالة ضرورية لا يدعى خلافها محق ولا مبطل (كقولك : محبتك جاءت بى إليك) فإدراك استحالة قيام المجيء الذى هو المشي بالأرجل بالمحبة ضرورى لكل عاقل ، هذا إن لم يكن المعنى : صيرتنى جائيا كما هو مذهب غير سيبويه فى نحو هذا التركيب وإلا فلا استحالة تأمله.
![مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح [ ج ١ ] مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2113_mavaheb-alfatah-fi-sharh-talkhis-almeftah-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
