فسقيّة (١) من رخام بين زمزم والركن والمقام.
فلما أن جرت وظهر ماؤها أمر القسري بجزر فنحرت بمكة ، وقسمت بين الناس ، وعمل طعاما فدعا إليه الناس ، ثم أمر صائحا ، فصاح : الصلاة جامعة ، وأمر بالمنبر ، فوضع في وجه الكعبة ، ثم صعده فحمد الله ـ تعالى ـ وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، احمدوا الله ، وادعوه لأمير المؤمنين ، الذي سقاكم الماء العذب الزلال [النقاخ](٢) ، بعد الماء الملح الأجاج ، الذي لا يشرب إلا صبرا (٣).
قال الشاعر يذكر الماء النقاخ العذب :
|
فمنهنّ ما يسقى بعذب مبرد |
|
نقاخ ، فتلكم طافت واستقرّت |
|
ومنهنّ ما يسقى بأخضر آجن |
|
طريف فلو لا خشية الله برّت (٤) |
يريد : أعلنت وأنارت. وقال العرجي (٥) ـ واسمه عبد الله بن عمرو بن
__________________
(١) جمعها : فساقي ، وهي : الحوض. وهي لفظة مولّدة. تاج العروس ٧ / ٤٩. المنجد ص : ٥٨٣.
(٢) في الأصل (القناح) وهو تصحيف. ومعنى النقاخ : الماء البارد العذب الصافي الخالص ، الذي يكاد ينقخ الفؤاد ببرده. وقيل : هو الماء الكثير ينبطه الرجل في الموضع الذي لا ماء فيه. اللسان ٣ / ٦٤.
(٣) وقد وردت هذه القصة بألفاظ أخرى تدل على جبروت وطغيان ، وزندقة ... ولعلّ القسري بريء من مثل هذه ـ والعلم عند الله ـ لأن الرجل كان فيه نصب وعداء لأهل البيت ، فتناولته ألسنة الشيعة من الرواة ، فنسبوا إليه أشياء قبيحة ، بل طعنوا في نسبه ، ومرؤته وخلقه ، وإذا أردت أن تعرف ما قالوه فيه فارجع إلى كتاب الأغاني ، والعقد الفريد ، والرجل مع هناته كانت له مواقف خدم فيها الإسلام ، في قمعه لأهل البدع والضلال ، وغيرته العربية مشهورة حتى دعته لمنع الغناء ، والتفرقة بين الرجال والنساء في الطواف ، وغير ذلك. وقد أورد ابن كثير بعض ما يستقبح من أخباره ثم قال (والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه ، فإنه كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم ، وغيره من أهل الإلحاد ، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح ، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ، ومغالاة في أهل البيت ، وربّما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيّع ، وقد أغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره) البداية والنهاية ١٠ / ٢١.
(٤) الآجن : الماء المتغير الطعم واللون ، لسان العرب ١٣ / ٨.
(٥) تقدّم التعريف به في الخبر (١٦٨٦).
![أخبار مكّة في قديم الدّهر وحديثه [ ج ٣ ] أخبار مكّة في قديم الدّهر وحديثه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2111_akhbar-meccate-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
