وأنا أكره من قول كثيّر بن عبد الرحمن صاحب عزّة (١) :
|
وما روضة بالحزن طيبة الثرى |
|
يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها |
ذكر الجثجاث لأنه اسم غير مختار ، ولو أمكنه ذكر غيره كان عندي أليق وأوفق.
ولا أحب أيضا تسمية أبي تمام صاحبه ـ علاثة ـ ونداءه بالترخيم في قوله :
|
قف بالطلول الدارسات علاثا |
|
أضحت حبال قطينهنّ رثاثا (٢) |
وإن كان الرّويّ قاده إلى ذلك ، فليت شعري من حظر عليه القوافي واقتصر به على الثاء دون غيرها من الحروف؟ وليس يؤثر عنه إلا الشعر الحسن على أقرب الوجوه ، وأسهل السبل ، دون ما يتكلف المشقة في نظمه ، والعناء في تأليفه ، وليس يغفر للشاعر لأجل ما يلزم به نفسه ذنب ، ولا يغفل له عن خطأ ، إذ كان حظر المباح ، وحرّم الحلال ، واعتمد تكلف النّصب طوعا واختيارا ، وهوى وقصدا ، لكنه لعمري إذا أتانا بالسليم من الزلل ، البعيد من التكلف والخطل ، وكان ذلك في مأخذ صعب ، ومسلك وعر ، حمدناه الحمد الكامل ، ووصفناه الوصف التام.
ومن الألفاظ التي كرهناها قول أبي عبادة البحتري :
|
فلا وصل إلا أن يطيف خيالها |
|
بنا تحت جؤشوش من الليل مظلم (٣) |
فليس بقبح جؤشوش خفاء ، هذا على أنني لم أعرف شاعرا قديما ولا حديثا أحسن سبكا من أبي عبادة ، ولا أحذق في اختيار الألفاظ وتهذيب المعاني.
__________________
(١) «ديوان كثيّر» ص ٣٣٨ ، «الخصائص» ٣ / ٢٨١ ، «الموشح» ص ١٥٠ ـ ١٥١ ، «الأغاني» ١٤ / ٥٧ ، «جمهرة اللغة» ص ١١١٨.
(٢) «ديوان أبي تمام» ١ / ٣١٤ ، مطلع قصيدة في مدح مالك بن طوق. علاثا : هو اسم صاحب الشاعر أي : قف يا علاثة. القطين : أهل الدار.
(٣) الجؤشوش : القطعة من الليل.
