وقد سمى قدامة بن جعفر هذا الفن من المجانس في ـ تلاق وتلاف ـ المضارعة ، إذ كانت إحدى اللفظتين تماثل الأخرى بأكثر الحروف ولا تشابهها في الجميع ، ومثّل ذلك بقول نوفل بن مساحق للوليد ـ وقد اعتمد عليه بالإذن له على نفسه وهو يلعب بالحمام ـ وقال : خصصتك بهذه المنزلة ، فقال له نوفل : ما خصصتني ولكن خسستني لأنك كشفت لي عورة من عوراتك. وأمثال هذا كثير ، والمحمود منه ما قل ووقع تابعا للمعنى غير مقصود في نفسه.
ومن المجانس في ورد في شعر أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان وسماه لنا ـ مجانس التركيب ـ لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان ، كقوله :
|
مطايا مطايا وجدّكنّ منازل |
|
متى زلّ عنها ليس عني بمقلع (١) |
وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئا من قبيله ، وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة.
فأما مجانس التصحيف فقد ورد في شعر أبي عبادة ، كقوله :
|
ولم يكن المغترّ بالله إذ شرى |
|
ليعجز والمعتزّ بالله طالبه (٢) |
وكقوله :
|
وكأن الشّليل والنثرة الحصداء |
|
منه على سليل غريف (٣) |
وهذا أقل طبقات المجانس ، لأنه مبني على تجانس أشكال الحروف في الخط ، وحسن الكلام وقبحه لا يستفاد من أشكال حروفه في الكتابة إذ لا علقة بين صيغة اللفظ في الحروف وشكله في الخط.
__________________
(١) «ديوان سقط الزند» لأبي العلاء المعري (ص ٢٨٦).
(٢) هذا البيت من قصيدة له في مدح المعتز بالله وهجاء المستعين ، وثرى : غضب ولج ، والمغتر بالله : إشارة إلى المستعين. ولم أجده في «ديوانه» ، انظر (١ / ١٣١).
(٣) الشليل : الغلالة تلبس تحت الدرع ، والنثرة : الدرع السلسة الملبس أو الواسعة ، والحصداء : الضيقة الحلق المحكمة ، والغريف : الأجمة ، وسليلها : الأسد. وانظر : «ديوانه» (١ / ٢٥٨).
