وأما قول أبي الحسين بن سعد في بعض رسائله : «وقد عرفت القدر فيما تراخى من كتبك ، وأبطأ عني من برك ، ورجعت فيما اتفق من حال الجفاء في هذه الوهلة ، إلى ما عرفت صحته من العهد ، وخلوصه من الود ، فلم أجد لسوء الظن مساغا ، ولا لظاهر الإعراض قبولا ؛ لأنك الأخ المبلوة أخباره ، المتكافئة في الجميل أفعاله ، غير أن النفس تستوحش لما تنكر من حيث عرفت ، وتذم من حيث حمدت ، ويتضاعف عليها الأسف للجفاء إذا وقع من معدن البرّ ، والارتياب إذا كان رديفا للثقة ، وأرجو أن أكون من تلوّن الزمان فيك على أمن ، ومن وفائه بعد مودتك على أقوى أمل».
فإن في هذا الكلام تركا للمناسبة بين الألفاظ ، لأن ـ قبولا ـ ليس على وزن ـ مساغ ـ وتستوحش ليس بازائها كلمة ، لأنه كان ينبغي أن يقال : تستوحش لما تستنكر من حيث عرفت ، وتنفر مما تذم من حيث حمدت ، أو غير ـ تستنكر ـ من الألفاظ التي تكون مناسبة لتستوحش ، وكذلك ـ البر ـ لا يناسب ـ الثقة ـ في الصيغة ، وأمن ليس على وزن أمل ، وهذا ليس بعيب فاحش ، وإنما هو ترك للأفضل والأولى من اعتماد المناسبة.
وحدثني أبو القاسم زيد بن عليّ الفارسي ، قال : حدثنا أبو عبيد نعيم بن مسعود الهروي ، قال : حدثنا أبو القاسم يحيى بن القاسم القصباني ، قال : حدثنا دعلج بن أحمد ابن دعلج ، قال : حدثنا عليّ بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلّام عن غير واحد من رجاله عن أبي نعامة عمرو بن عيسى العدوي عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «خير المال سكة مأبورة ، ومهرة مأمورة» (١) ؛ فقال : مأمورة ؛ لأجل المناسبة ، والمستعمل ـ مؤمّرة ـ أي : كثيرة النّتاج ، كما قرىء : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء : ١٦] أي : كثّرنا.
وحدثّني زيد بن عليّ بهذا الإسناد عن أبي عبيد القاسم بن سلّام عن يزيد بن سفيان عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلىاللهعليهوسلم ، انه
__________________
(١) أخرجه الإمام أحمد. رقم (١٥٤١٨).
