والكاهل والهامة ، وإذا هجا ذكر القفا والأخادع والقذال ، وإن كانت معاني الجميع متقاربة ، وليس يحسن أن يخاطب الملوك فيقال لبعضهم : وحق يافوخك أو قمحدوتك أو أخادعك أو قذالك أو قفاك قياسا على أن يقال له : وحق رأسك ؛ لأن الاستعمال يختلف في الألفاظ ، وإن كان المعنى فيها غير مختلف على ما قدمناه.
الكناية
ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح ، وذلك أصل من أصول الفصاحة ، وشرط من شروط البلاغة ، وإنما قلنا في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح ، لأن مواضع الهزل والمجون وإيراد النوادر يليق بها ذلك ، ولا تكون الكناية فيها مرضية ، فإن لكل مقام مقالا ، ولكل غرض فنا وأسلوبا ، ومما يستحسن من الكنايات قول امرىء القيس :
|
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا |
|
ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال (١) |
لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة.
وروي عن أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة : أنه لما أجاب أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون عن المعتضد بالله من كتابه بإنفاذ ابنته التي زوجها منه ، قال في الفصل الذي احتاج فيه إلى ذكرها : «وأما الوديعة فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك ، عناية بها ، وحياطة لها ، ورعاية فيها». وقال للوزير أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب : والله إن تسميتي إياها بالوديعة نصف البلاغة ، واستحسنت هذه الكناية حتى صار الكتاب يعتمدونها.
وكتب أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة بختيار بن معزّ الدولة إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة في إنفاذ ابنته المزوجة منه : «وقد توجه أبو النجم الحرمي أيده الله نحوك
__________________
(١) سبق تخريجه ص ١٤١.
