فإن قال قائل : إذا كان التنين هو الحية ـ وكانوا كثيرا ما يشبهون الممدوح بالحية ـ ويقولون : هو صلّ صفاة ، وحية واد ، وأرقم وأسود وغير ذلك ؛ كما قال أبو الطيب :
|
يمدّ يديه في المفاضة ضيغم |
|
وعيناه من تحت التريكة أرقم (١) |
وقال آخر :
|
إني على رأس العدو وتحته |
|
للغام قسطلة وحيّة واد (٢) |
وقال الرضي :
|
نبهت مني يا أبا الغيداق |
|
أصمّ لا يسمع صوت الراقي |
|
ذا ريقة تهزأ بالدرياق |
|
كأنّما أمّ من الإطراق (٣) |
وقال حريث بن عنّاب :
|
أترجو الحياة يا بن بشر بن مسهر |
|
وقد علقت رجلاك في ناب أسودا |
|
من الصم تكفي مرة من لعابه |
|
وما عاد إلا كان في العود أحمدا |
وأمثال هذا كثيرة ، فكيف يكون ذكر التنين عيبا ولا يكون ذكر الأرقم والصلّ والأسود عيبا ، ومعنى الجميع واحد؟ قيل له : إننا لم ننكر التنين لأجل معناه فيقال لنا : إن معنى التنين والحية واحد ؛ وإنّما عيناه من أجل مدحه ؛ لأن هذه اللفظة لم تستعمل في المدح ، وتلك الألفاظ قد استعملت فيه ، وليس يمتنع أن يكون للشيء الواحد اسمان يستعمل أحدهما في موضع ويستعمل الآخر في موضع آخر ، وهذا شيء إنما أصله العرف والعادة ، دون أصل وضع الأسماء في اللغة ، ألا ترى أن الإنسان إذا مدح ذكر الرأس
__________________
(١) المفاضة : الدرع الواسعة ، والتريكة : البيضة ؛ تشبيها لها بيضة النعامة إذا خرج منها الفرخ. وفي المطبوع جاءت : وعينيه ... وانظر «ديوانه» ص (٢ / ٥٥).
(٢) اللغام : زبد أفواه الإبل ، والقسطلة : هدير الإبل.
(٣) أمّ : شج في رأسه. انظر «ديوان الشريف الرضي» ص (٢ / ٨٦).
