أحدهما : قول أبي نصر بن نباتة :
|
حتى إذا بهر الأباطح والرّبا |
|
نظرت إليك بأعين النوّار (١) |
فنظر أعين النّوار من أشبه الاستعارات وأليقها ، لأن النوّار يشبه العيون ، وإذا كان مقابلا لمن يجتاز فيه ويمر به كان كأنّه ناظر إليه ، وهذه الاستعارة الصحيحة الواضحة التشبيه.
والبيت الثاني : قول أبي تمام :
|
قرّت بقرّان عين الدّين وانشترت |
|
بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما (٢) |
وقرة عين الدين وانشتار عيون الشرك من أقبح الاستعارات ، لعدم الوجه الذي لأجله جعل للدين والشرك عيونا ، ومع تأمل هذين البيتين يفهم معنى الاستعاره ، لأنّ النوّار والشرك لا عيون لهما على الحقيقة ، وقد قبحت استعارة العيون لأحدهما وحسنت للآخر ، وبيان العلة فيه أن النوّار يشبه العيون ، والدين والشرك ليس فيهما ما يشبهها ولا يقاربها ، وهذه طريقة متى سلكت ظهر المحمود في هذا الباب من المذموم.
وأما قول الشريف الرضي :
|
والحبّ داء يضمحلّ كأنّما |
|
ترغو رواحله بغير لغام (٣) |
فقريب من قول زهير : أفراس الصبا ورواحله ، لكنه أبعد منه ، لأنه بنى عليه أمرا آخر غير قريب ، وهو قوله : إن رواحل الصبا ترغو ولا لغام لها ، وهذا المذهب الرديء في الاستعارة على ما قدّمناه.
وقد أعاد أبو نصر بن نباتة قوله : نظرت إليك بأعين النوار ، في موضع آخر فقال :
__________________
(١) «ديوان نصر بن نباتة» (٢ / ٤٨٣).
(٢) شتر العين : قلب جفنها ، وشتر الشيء : قطعه ، واصطلم : استؤصل. «ديوان أبي تمام» ٣ / ١٦٩ ، «الصناعتين» ٣٣٥ ، «دلائل الإعجاز» ٢٧٧ ، «أسرار البلاغة» ٦.
(٣) الرواحل : الإبل السائرة ، اللغام : الزبد الذي يخرج من أفواه الإبل. «ديوان الشريف الرضي» (٢ / ٢٩٥) وفي المطبوع : روازحه ، بدل رواحله.
