وكذلك قول ذي الرمة في إحدى الروايات :
|
أقامت به حتى ذوى العود والثرى |
|
ولفّ الثريا في ملاءته الفجر (١) |
لأن الفجر لما غطى الليل ببياضه وشمل الأرض عند طلوعه حسنت استعارة الملاءة له لتضمنها هذا المعنى ، وعبر بطلوع الثريا وقت طلوع الفجر بأنه لفها في ملاءته ، وتلك أحسن عبارة وأوضح استعارة.
وقد اختار أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (٢) الكاتب من جملة الاستعارة قول امرىء القيس :
|
فقلت له لما تمطّى بصلبه |
|
وأردف أعجازا وناء بكلكل (٣) |
وقال : إن هذه الاستعارة في غاية الحسن والجودة والصحة ، لأنه إنما قصد وصف أحوال الليل الطويل ، فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترادف أعجازه وأواخره شيئا فشيئا ، قال : وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئاته ، وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقّب تصرّمه ، فلما جعل له وسطا يمتد وأعجازا رادفة للوسط استعار له اسم الصلب وجعله متمطّيا من أجل امتداده ، لأن قولهم : تمطّى وتمدد بمنزلة واحدة ، وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه ، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة ، لملاءمة معناها لمعنى ما استعيرت له (٤).
وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضى ، ولو كنت أسكن إلى تقليد أحد
__________________
(١) «ديوان ذي الرمة» ص ١٠٢ ، «مجالس العلماء» للزجاجي ٣٣٧.
(٢) هو الحسن بن بشر بن يحيى الأمدي ـ أبو القاسم ـ عالم بالأدب ، راوية ، من الكتاب ، وله شعر.
ولد بالبصرة وتوفي سنة ٣٧٠ هجرية من كتبه «المؤتلف والمختلف» و «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» و «معاني شعر البحتري». ديوان امرىء القيس ص ١١٧.
(٣) «شرح ديوان امرىء القيس» ١٥١ ، «دلائل الإعجاز» ٥٤ ، ٢٣٢ ، ٢٩٥ ، «شرح شواهد الألفية» ٤ / ١٢٧. تمطّى : تمدّد. صلبه : ظهره.
(٤) «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» ١ / ٢٦٦.
