فأما قول أبي الطيب :
|
المجد أخسر والمكارم صفقة |
|
من أن يعيش لها الهمام الأروع (١) |
فجار هذا المجرى ، وفيه تقديم وتأخير وفصل بين الصلة والموصول وتقديره : المجد والمكارم أخسر صفقة.
وأما قول الفرزدق :
|
فليست خراسان التي كان خالد |
|
بها أسد إذ كان سيفا أميرها(٢) |
فإن جماعة النحويين قالوا : إنه يمدح خالدا ويذم أسدا ، وكانا واليين بخراسان وخالد قبل أسد. وتقدير البيت : فليست خراسان بالبلدة التي كان خالد فيها سيفا إذ كان أسد أميرها ، ويكون رفع أسد بكان الثانية وأميرها نعت له ، وـ كان ـ في معنى وقع أو يكون في ـ كان ـ ضمير الشأن ويكون أسد وأميرها مبتدأ وخبرا في موضع خبر الضمير ، وقال أبو سعيد السيرافي : إن تقدير البيت عنده أن يجعل أسدا بدلا من خالد ، ويجعله هو خالدا على سبيل التشبيه له بالأسد ، فكأنه قال : فليست خراسان التي كان بها أسد إذ كان سيفا أميرها ، ويجعل سيفا خبرا لكان الثانية ويجعل أميرها الاسم ، وعلى التأويلين معا فلا خفاء بقبح البيت والتعسف فيه ووضع الألفاظ في غير موضعها ، والفرزدق أكثر الشعراء استعمالا لهذا الفن ، حتى كأنه يتعمده ويقصده ويعتقد حسنه ، ومن ذلك قوله ايضا :
|
وترى عطية ضاربا بفنائه |
|
ربقين بين حظائر الأغنام |
|
متقلّدا لأبيه كانت عنده |
|
أرباق صاحب ثلّة وبهام (٣) |
__________________
(١) هذا البيت من قصيدة له في رثاء أبي شجاع فاتك. انظر «ديوانه» (٢ / ٢٥٦).
(٢) غير موجود في ديوانه ، وبلا نسبة في «الخصائص» ٢ / ٣٩٧.
(٣) يهجو الشاعر في هذين البيتين عطية والد جرير ، الربق : حبل فيه عدة عرى ، والبهام : أولاد البقر والمعز والضأن.
