فقد اتّضح لك كلّ الوضوح مشروعيّة البكاء واستحبابه وفضله ، وما يترتّب عليه من الثواب الجزيل. وبعده لا أظنّك تقول : إن البكاء من ترك الصبر الجميل ، وتاركه مذموم موزور ، والذمّ والوزر من الوازم المحرم؛ لأنك تعلم أن البكاء والانتحاب والتأثر منبعث من الجبلَّة ، ومثار من الطبيعة ، بل لو كلّف بتركه وقع في ضيق العسر والحرج ، بل وقع في لجّة الضرر ، (وما جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ) (١).
و «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (٢).
مع أن ترك الصبر الجميل ليس من لوازم البكاء ، فالمصاب يبكي وهو علىٰ يقين برجوع الأمر لله ومفوّض له الحول والقوة ، لا يخلّ بشيء من التوكّل على الله والالتجاء إليه.
نعم ، قد يبكي هلعاً ويمضي فارغاً من زاد التقوىٰ كصاحب النفس الشرّيرة. ففرق واضح بين بكاء الأشرار وبين بكاء الصالحين الأخيار.
ولسنا في مقام ضيق المخرج ، إذ ليس كلّ صبر راجحاً فضلاً عن كون تركه محرماً؛ لأن المصائب المحدقة بالدين وبشريعة سيّد المرسلين إنكار المنكر ، وهل هو إلّا مصيبة على الدين؟
فكيف يصغىٰ إلىٰ قول : إن الصبر جميل وتاركه مذموم على الإطلاق؟
___________________
(١) الحجّ : ٧٨.
(٢) الفقيه ٢٤٣ : ٤/ ٧٧٧ ، البحار ٢٧٦ : ٢/٢٧ ، مسند أحمد ٣١٣ : ١ ، سنن ابن ماجة ٧٨٤ : ٢/ ٤٣٤٠ ، وليس في الثلاثة الأخيرة : «في الإسلام».
