وأمّا الّذين غلطوا فقالوا : إنّ السبب في ما قاله رسول الله صلىاللهعليهوآله يوم الغدير إنّما هو كلام جرى بين أمير المؤمنين وبين زيد بن حارثة ، فقال علي عليهالسلام لزيد : أتقول هذا وأنا مولاك ؟! فقال له زيد : لست مولاي ، إنّما مولاي رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فوقف يوم الغدير فقال : من كنت مولاه فَعَليّ مولاه ، إنكاراً على زيد ، واعلاماً له أنّ عليّاً مولاه (٤٦) !
فإنّهم قد فضحهم العلم بأنّ زيداً قُتل مع جعفر بن أبي طالب عليهالسلام في أرض مؤتة (٤٧) من بلاد الشام قبل يوم غدير خُمّ بمدّة طويلة من الزمان (٤٨) ، وغدير خُمّ إنّما كان قبل وفاة النبي صلىاللهعليهوآله بنحو الثمانين يوماً ، وما حملهم على هذا الدعوى إلا عدم معرفتهم بالسّير والأخبار (٤٩).
ولما رأت الناصبة غلطها في هذه الدعوى رجعت عنها ، وزعمت أنّ الكلام كان
__________________
(٤٦) اُنظر : العقد الفريد ٥ : ٣٥٧.
(٤٧) مؤتة ـ بالضمّ ثم واو مهموزة ساكنة ، وتاء مثنّاة من فوقها ، وبعضهم لا يهمزه ـ قريه من قرى البلقاء في حدود الشام ، وقيل : مؤتة من مشارف الشام ، وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية في السيوف.
انظر : معجم البلدان ٥ : ٢١٩.
(٤٨) نقلت كافة كتب التاريخ والسير والحديث بلا أيّ خلاف بأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعث بعثة إلى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمان للهجرة ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله ابن رواحة ، واستشهدوا هناك في تلك السنة واحد بعد الآخر.
اُنظر : تأريخ الاُمم والملوك ـ للطبري ـ ٣ : ٣٦ ، الكامل في التأريخ ـ لابن الأثير ـ مروج الذهب ـ للمسعودي ـ ٣ : ٣٠ / ١٤٩٣ ، المغازي ـ للواقدي ـ ٢ : ٧٥٥ ، السيرة النبوية ـ لابن هشام ـ ٤ : ١٥ ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ ٣ : ٤٥٥ ، معجم البلدان ـ للحموي ـ ٥ : ٢١٩.
(٤٩) إنّه لأمر غريب فعلاً أن يحدث هذا الخط الفاضح ، الذي يبدو مستهجناً ممن يملك أدنى معرفة بشيء من التأريخ ، ناهيك بمن يتجرّأ ليكتب التأريخ ، ويسطر فيه الوقائع والحقائق.
ولا أجد لذلك تفسيرا إلا أنّ الله تعالى شاء أن يفضح اُولئك الّذين أعماهم الحقد عن رؤية شمس الحقّ.
وتالله إن الأمر ليبدو أوضح من أن يلتبس به أحد ، فكتب الحديث والسنن التي نقلت هذه الواقعة تشير نصّاً إلى أنّها كانت في حجّة الوداع.
كما ان كل كتب التأريخ نذكر أن هذه الحجّة كانت في السنة العاشرة من الهجرة النبوية ، وهي لا تختلف أيضاً في أن وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآله كانت في السنة الحادية عشر ، فأين هذه من تلك ؟!
