والذي يدلّ على ذلك أنهم قالوا : طبيب وأطبّاء ، وحبيب وأحبّاء ، والأصل فيه طبباء وحبباء ، نحو : ظريف وظرفاء ، وشريف وشرفاء ، إلا أنه لما اجتمع فيه حرفان متحركان من جنس واحد واستثقلوا اجتماعهما فنقلوه عن فعلاء إلى أفعلاء ، فصار أطبباء ، فاجتمع فيه أيضا حرفان متحركان من جنس واحد ، فنقلوا حركة الحرف الأول إلى الساكن قبله فسكن فأدغموه في الحرف الذي بعده ، فقالوا : أطبّاء ، فنقلوه من فعلاء إلى أفعلاء ، فدلّ على ما قلناه.
وأما من ذهب إلى أن وزنه أفعال فتمسك بأن قال : إنما قلنا إن وزنه أفعال لأنه جمع شيء ، وشيء على وزن فعل ، وفعل يجمع في المعتل العين على أفعال ، نحو : بيت وأبيات وسيف وأسياف ، وإنما يمتنع ذلك في الصحيح ، على أنهم قد قالوا فيه : زند وأزناد ، وفرخ وأفراخ ، وأنف وآناف ، وهو قليل شاذ ، وأما في المعتل فلا خلاف في مجيئه على أفعال مجيئا مطردا ؛ فدل على أنه أفعال ؛ إلا أنه منع من الإجراء تشبيها له بما في آخره همزة التأنيث.
والذي يدلّ على أن أشياء جمع وليس بمفرد كطرفاء قولهم : «ثلاثة أشياء. والثلاثة وما بعدها من العدد إلى العشرة يضاف إلى الجمع لا إلى المفرد. ألا ترى [٣٤٤] أنه لو قيل «ثلاثة ثوب وعشرة درهم» لم يجز ، فلما جاز هاهنا أن يقال «ثلاثة أشياء ، وعشرة أشياء» دلّ أنها ليست اسما مفردا وأنه جمع.
والذي يدل على ذلك أيضا تذكيرهم ثلاثة وعشرة في قولهم : «ثلاثة أشياء ، وعشرة أشياء» ولو كانت كطرفاء مؤنثة لما جاز التذكير فيقال «ثلاثة أشياء» وكان يجب أن يقال : ثلاث أشياء ؛ كما كنت تقول مثلا : ثلاث غرفة ؛ لو جاز أن يقع فيه الواحد موقع الجمع ، وفي امتناع ذلك دليل على أنه جمع وليس باسم مفرد.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن أشياء على وزن لفعاء لأن الأصل فيه شيئاء بهمزتين على فعلاء كطرفاء ، وحلفاء ، فاستثقلوا اجتماع همزتين وليس بينهما حاجز قوي ؛ لأن الألف حرف زائد خفي ساكن والحرف الساكن حاجز غير حصين ؛ فقدّموا الهمزة التي هي اللام على الفاء ؛ كما غيروا بالقلب في قولهم : قسيّ في جمع قوس ، والأصل أن يقال في جمعها : قووس ؛ إلّا أنهم قلبوا كراهية لاجتماع الواوين والضمتين ؛ فصار قسوو ؛ فأبدلوا من الضمة كسرة (١) ؛ لأنهم ليس في كلامهم اسم متمكن في آخره واو قبلها ضمة ؛ فانقلبت الواو الثانية
__________________
(١) في هذا الكلام تكلّف ، والواو المتطرفة تقلب ياء بغير هذا التكلف وكيف تبقى الواو الأولى مدة بعد انكسار ما قبلها؟ لقد كانت أولى أن تقلب باء.
