.....
______________________________________________________
الفعل الذي هو أودى مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الحوادث ، والحوادث جمع حادثة ، فهو جمع تكسير مفرده مؤنث ، وقد زعم المؤلف تبعا لسيبويه وشراح كلامه أنه كان على الشاعر أن يقول : فإن الحوادث أودت بها ؛ فيؤنث الفعل لكونه مسندا إلى ضمير يعود إلى مؤنث ، ولكنه ترك تاء التأنيث لأن الحوادث يطلق عليها الحدثان ، والحدثان مذكر ، ويسند إليه الفعل بغير تاء كما في قول شاعر الحماسة :
|
رمى الحدثان نسوة آل حرب |
|
بمقدار سمدن له سمودا |
|
فرد شعورهن السود بيضا |
|
ورد وجوههن البيض سودا |
قال ابن منظور «فأما قول الأعشى :
* فأما تريني ولي لمّة ـ البيت*
فإنه حذف التاء للضرورة ، وذلك لمكان الحاجة إلى الردف ، وأما أبو علي الفارسي فذهب إلى أنه وضع الحوادث موضع الحدثان كما وضع الآخر الحدثان موضع الحوادث في قوله :
* ألا هلك الشهاب المستنير*
البيتين الآتيين برقم ٤٧٠» اه.
ولكن خيرا من هذا التخريج أن يقال : إن الحوادث جمع تكسير ، وإن جمع التكسير لكونه لم يسلم فيه بناء المفرد يصح أن يعود إليه الضمير من الفعل والوصف مذكرا أو مؤنثا ـ سواء أكان مفرده مذكرا أم كان مفرده مؤنثا ـ وقد تنبّه لهذا بعض التنبه الأعلم حيث يقول «الشاهد فيه حذف التاء من أودت ضرورة ، ودعا إلى حذفها أن القافية مردفة بالألف ، وسوغ له حذفها أن تأنيث الحوادث غير حقيقي ، وهي في معنى الحدثان» اه. وقد قلنا «إنه تنبّه بعض التنبّه» لأنه تنبّه إلى أن تأنيث الحوادث غير حقيقي ، ولم يكن تنبّه كاملا لأنه جعل ترك التاء في مثل هذا ضرورة ، ولأنه عاد فقال «وهي في معنى الحدثان» والصواب أن التعليل لترك التاء ههنا هو أن مرجع الضمير جمع تكسير ، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا ، وأن ينظر إليه على أنه جماعة فيكون مؤنثا ولو كان مفرده مذكرا ، والوجهان جائزان في سعة الكلام عند علماء المصرين الكوفة والبصرة فما بالهم قد تركوا هذه القاعدة هنا ، ورجعوا إلى أصل الكلام الأصيل ، وانظر لذلك بحثا وافيا كتبناه في شرحنا على شذور الذهب (ص ١٧١ ـ ١٧٤).
ومما ورد فيه إسناد الفعل إلى جمع التكسير الذي واحده مؤنث من غير أن يلحق بالفعل تاء التأنيث قول الشاعر ، وأنشده القالي (الأمالي ٢ / ٢٨١ ط الدار) :
|
فما لك إذ ترمين يا أم مالك |
|
حشاشة قلبي ، شل منك الأصابع |
ألا تراه قد قال «شل الأصابع» والأصابع جمع إصبع ، والإصبع مؤنثة ، بدليل قوله صلىاللهعليهوسلم «هل أنت إلا إصبع دميت» وقد جاء الفعل المسند إلى الأصابع مؤنثا في بيت الفرزدق المشهور :
|
إذا قيل : أي الناس شر قبيلة |
|
أشارت كليب بالأكف الأصابع |
أي أشارت الأصابع إلى كليب مصاحبة الأكف. وقد أثرنا لك في شرح الشاهد ٤٧٠ كلمة لابن يعيش صريحة في ذلك. وفي هذا القدر كفاية وغناء إن شاء الله تعالى.
