[٣٠٥] فقوله : «لأنت» مبتدأ ، و «البيت» خبره و «أكرم» صلة الخبر الذي هو البيت ، وهذا كثير في استعمالهم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الاسم الظاهر يدل على معنى مخصوص في نفسه ، وليس كالذي ؛ لأنه لا يدل على معنى مخصوص إلا بصلة توضّحه ؛ لأنه مبهم ، وإذا لم يكن في معناه (١) فلا يجوز أن يقام مقامه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقوله :
* لعمري لأنت البيت أكرم أهله* [٤٤٦]
فلا حجّة لهم فيه من وجهين :
أحدهما : أن يكون «البيت» خبر المبتدأ الذي هو «أنت» و «أكرم» خبرا آخر ، كما تقول : هذا حلو حامض ، فحلو : خبر المبتدأ الذي هو هذا ، وحامض : خبر
______________________________________________________
الأول : أن الاسم المحلّى بأل يدل على معنى خاص في نفسه والاسم الموصول لا يدل على معنى خاص في نفسه ، وإنما يدل على معنى مبهم ، وهذا المعنى المبهم الذي يدل عليه الاسم الموصول يتضح وتظهر حقيقته بواسطة الصلة ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن الاسم المحلّى بأل محتاجا إلى الصلة كحاجة الموصول إليها.
والثاني : أن هذا المعنى الذي أرادوه من العبارة المذكورة لا ينحصر الطريق إليه في جعل الجملة صلة ، بل يمكن الوصول إليه من غير الطريق الذي سلكوه ، وقد ذكر العلماء لذلك طريقين : أحدهما أن تجعل «أنت» مبتدأ ، و «البيت» خبرا أول ، وجملة «أكرم أهله» في محل رفع خبر ثان ، وعلى هذا تكون «ال» الداخلة على البيت لاستغراق الصفات ، كالتي في قولهم : أنت الرجل ، يريدون أنت الجامع لكل صفات الكمال التي في الرجال ، وكأن الشاعر قد قال : أنت البيت الجامع لكل الصفات المحببة في البيوت ، ثم أخبر عنه مرة أخرى بقوله «أكرم أهله» والطريق الثاني : أن يكون قوله البيت خبرا لأنت ، وجملة «أكرم أهله» صفة للبيت ، وعلى هذا تكون أل الداخلة على البيت جنسية ، وقد علم أن الاسم المحلّى بأل الجنسية قريب من النكرة ، فيجوز أن تكون الجملة بعده صفات له ، وذلك نظير ما قالوه في قول الشاعر :
|
ولقد أمر على اللئيم يسبني |
|
فأمر ثم أقول لا يعنيني |
والوجه الثالث : سلمنا أن الطريق إلى المعنى الذي أرادوه منحصر في جعل جملة «أكرم أهله» صلة ، لكن لا نسلم أن هذه الجملة صلة للبيت ، ولم لا تكون صلة لموصول محذوف يقع صفة للبيت ، وأنتم معشر الكوفيين تجيزون حذف الموصول وبقاء صلته ، وكأن الشاعر قد قال : لأنت البيت الذي أكرم أهله ـ الخ. وفي هذا القدر كفاية.
__________________
(١) يريد وإذ لم يكن الاسم المحلّى بأل في معنى الموصول.
