والشواهد على هذا النحو كثيرة جدا ؛ فلو كانت هذه النون مخففة من الثقيلة لما كانت تتغير في الوقف ، ألا ترى أن نون «إن» و «لكن» المخففتين من إنّ ولكنّ الثقيلتين ؛ لما كانتا مخففتين من الثقيلتين لم تتغيرا في الوقف عما كانتا عليه في الوصل ؛ فلما تغيرت النون الخفيفة في الوقف دلّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة ، يدل عليه أن النون الخفيفة تحذف في الوقف إذا كان ما قبلها مضموما أو مكسورا ، تقول في الوصل «هل تضربن زيدا ، وهل تضربن عمرا» فإن وقفت قلت «هل تضربون ، وهل تضربين» فتردّ نون الرفع التي كنت حذفتها للبناء ؛ لزوال ما كنت حذفت النون من أجله ، ولو كانت مثل نون «إن ، ولكن» المخففتين من الثقيلتين لما جاز أن تحذف ، يدل عليه (١) أنّ النون الخفيفة إذا لقيها ساكن حذفت ، تقول في «اضربن يا هذا» إذا وصلتها : اضرب القوم (٢) ، فتحذف النون ولا تحركها لالتقاء الساكنين ، ولو كانت مخففة من الثقيلة مثل «إن ، ولكن» لما كان يجوز أن تحذف ؛ فدل على أنها ليست مخففة [٣٧٥] من الثقيلة وأنها بمنزلة التنوين ، وإنما وجب حذفها هاهنا ، بخلاف التنوين ؛ لأن نون التوكيد تدخل على الفعل والتنوين يدخل على الاسم ، والاسم أصل للفعل ، والفعل فرع عليه ؛ فجعل ما يدخل على الاسم الذي هو الأصل أقوى مما يدخل على الفعل الذي هو الفرع ؛ فلهذا المعنى حذفت النون لالتقاء الساكنين ولم يحذف التنوين ، على أنه قد قرأ بعض أئمة القراء : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ) فحذف التنوين من (أَحَدٌ) لالتقاء الساكنين ، وقرأ أيضا بعض القراء (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [يس : ٤٠] فحذف التنوين من (سابِقُ) لالتقاء الساكنين ، لا للإضافة ، ولهذا نصب (النَّهارِ ؛) لأنه
______________________________________________________
عليها أبدلها ألفا ، قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت «قال لا تقربنّها بالنون الشديدة في النهي ، وقال والله فاعبدا ، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر ، ثم وقف فأبدل منها الألف» اه ، ومثل هذا البيت قول الأعشى ميمون صاحب الشاهد الذي نحن بصدد شرحه :
|
وصل على حين العشيات والضحى |
|
ولا تحمد المثرين ، والله فاحمدا |
وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
|
وقمير بدا لخمس وعشري |
|
ن له قالت الفتان : قوما |
والاستشهاد بهذا البيت في قوله «قوما» فإن هذه الألف لا يجوز أن تكون ألف الاثنين ، لأن الحديث عن واحد ، فوجب أن تكون منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة للوقف.
__________________
(١) في ر «يدل عليه وهو أن النون» وواضح أن كلمة «وهو» مقحمة ، وقد نبهنا إلى مثل ذلك فيما مضى.
(٢) ونظيره قول الشاعر ، وقد أنشدناه في شرح الشاهد رقم ٣٧٣ الذي سبق قريبا في المسألة ٧٧ ، وهو :
|
لا تهين الفقير علك أن |
|
تركع يوما والدهر قد رفعه |
