أي : آنف ، ومعنى الآية أنّا أول الآنفين أن يقال لله ولد ، وقيل : أول العابدين ، أي : أول من عبد الله وحده ، وقيل : المعنى كما أني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد ، كما يقال : إن كنت كاتبا فأنا حاسب ، يريد إنك لست [٢٦٤] بكاتب ولا أنا حاسب ، على أنا نقول : ولم قلتم إنها إذا كانت في موضع ما بمعنى «ما» ينبغي أن تكون هاهنا؟
قولهم : «جمع بينها وبين ما لتوكيد النفي كما جمع بين إنّ واللام لتوكيد الإثبات» قلنا : لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يصير الكلام إيجابا ؛ لأن النفي
______________________________________________________
قيل معنى قوله «عبدا» أي أنفا ، يقول : أنف أن تفوته الدرة. قال ابن منظور : «وفي التنزيل (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) ويقرأ (العبدين) قال الليث : العبد ـ بالتحريك ـ الأنف والغضب والحمية من قول يستحيا منه ويستنكف ، ومن قرأ (العبدين) فهو مقصور ، من عبد يعبد فهو عبد ، وقال الأزهري : هذه آية مشكلة ، وأنا ذاكر أقوال السلف فيها ، ثم أتبعها بالذي قال أهل اللغة ، وأخبر بأصحها عندي ، أما القول الذي قاله الليث في قراءة (العبدين) فهو قول أبي عبيدة ، على أني ما علمت أحدا قرأ (فأنا أول العبدين) ولو قرىء مقصورا كان ما قاله أبو عبيدة محتملا وإذ لم يقرأ به قارىء مشهور لم نعبأ به ، والقول الثاني : ما روي عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية ، فقال : معناه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ، يقول : فكما أنني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد ، وقال السدي : قال الله لمحمد : قل إن كان ـ على الشرط ـ للرحمن ولد كما تقولون لكنت أول من يطيعه ويعبده : وقال الحسن وقتادة : إن كان للرحمن ولد ، على معنى ما كان ، فأنا أول العابدين : أي أول من عبد الله من هذه الأمة ، وقال الكسائي (إِنْ كانَ) أي ما كان للرحمن ولد (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) أي الآنفين ، رجل عابد وعبد وآنف وأنف ، أي الغضاب الآنفين من هذا القول ، وقال : فأنا أول الجاحدين لما تقولون ، ويقال : أنا أول من تعبده على الوحدانية مخالفة لكم ، وقال ابن الأنباري (إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) ما كان للرحمن ولد ، والوقف على ولد ، ثم ابتدىء (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) له على أنه لا ولد له ، قال الأزهري : قد ذكرت الأقوال ، وفيه قول أحسن من جميع ما قالوا ، وأسوغ في اللغة وأبعد من الاستكراه ، وأسرع إلى الفهم ، روي عن مجاهد أنه قال : «إن كان لله ولد في قولكم فأنا أول من عبد الله وحده وكذبكم فيما تقولون». قال الأزهري : وهذا واضح ، ومما يزيده وضوحا أن الله عزوجل قال لنبيه : (قُلْ) يا محمد (إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) في زعمكم (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) إله الخلق أجمعين الذي لم يلد ولم يولد ، وأول الموحدين للرب الخاضعين المطيعين له وحده ؛ لأن من عبد الله تعالى واعترف بأنه معبود وحده لا شريك له فقد دفع أن يكون له ولد في دعواكم ، والله عزوجل واحد لا شريك له وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد ، قال الأزهري : وإلى هذا ذهب إبراهيم بن السري وجماعة من ذوي المعرفة ، وهو الذي لا يجوز عندي غيره» اه كلامه.
