لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران : ١٥٩] أي : فبرحمة ، وقال تعالى : (عَمَّا قَلِيلٍ) [المؤمنون : ٤٠] أي : عن قليل ، وقال تعالى : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) [النساء : ١٥٥] أي : فبنقضهم ، و «ما» زائدة ، فكذلك هاهنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : «إنها تكون بمعنى ما» قلنا : نسلم أنها تكون بمعنى «ما» في موضع ما ، فأما ما احتجوا به فأكثره نقول بموجبه ؛ إذ لا نمنع (١) أن تقع في بعض المواضع بمعنى ما.
وأما ما احتجّوا به من قوله تعالى : (بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة : ٩٣] فلا نسلم أنّ «إن» هاهنا بمعنى ما ، وإنما هي هاهنا شرطية ، وجوابه مقدر ، والتقدير فيه : إن كنتم مؤمنين فأي إيمان يأمر بعبادة عجل من دون الله تعالى؟ وكذلك قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) [الزخرف : ٨١] لا نسلم أيضا أنها هاهنا بمعنى ما ، وإنما هي شرطية ، وجوابه فأنا أول العابدين : أي الآنفين ، من قولهم : «عبد الرجل يعبد عبدا فهو عبد وعابد» إذا أنف ، وجاء في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضياللهعنه «عبدت فصمت» أي أنفت فسكتّ ، وقال الشاعر :
|
[٤٠٧] أولائك قومي إن هجوني هجوتهم |
|
وأعبد أن تهجى تميم بدارم |
______________________________________________________
[٤٠٧] أنشد ابن منظور هذا البيت (ع ب د) ونسبه إلى الفرزدق ، وقد بحثت ديوان الفرزدق فلم أجده ، وإن كان معنى البيت يتكرّر كثيرا في كلام الفرزدق ، كقوله لجرير :
|
ولست وإن فقأت عينيك واجدا |
|
أبا لك ـ إذ عد المساعي ـ كدارم |
وكقوله في العديل بن الفرخ العجلي :
|
عجبت لعجل إذ تهاجى عبيدها |
|
كما آل يربوع هجوا آل دارم |
وكقوله ، وهو أقرب لبيت الشاهد :
|
وليس بعدل أن سببت مقاعسا |
|
بآبائي الشم الكرام الخضارم |
|
ولكن عدلا لو سببت وسبني |
|
بنو عبد شمس من مناف وهاشم |
وتقول «عبد فلان على فلان يعبد عبدا فهو عبد من مثال فرح يفرح فرحا فهو فرح» وعابد أيضا : إذا غضب وأنف ، وقد عدّى الفرزدق هذا الفعل بنفسه من غير حرف الجر في قوله :
|
علام يعبدني قومي وقد كثرت |
|
فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان؟ |
والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله «وأعبد» فإنه فعل مضارع ماضيه «عبد» من باب فرح ، ومعناه أنف وغضب ، وقال ابن أحمر يصف الغواص :
|
فأرسل نفسه عبدا عليها |
|
وكان بنفسه أربا ضنينا |
__________________
(١) في ر «إذ لا يمنع أن يقع».
