إنه لما كان «رضيت» ضدّ سخطت ، وسخطت تعدّى بعلى ، فكذلك «رضيت» حملا له على ضدّه ؛ فكذلك هاهنا : جعل لم أفعل دليلا على جواب الشرط المحذوف ؛ حملا على فعلت.
وحذف جواب الشرط كثير في كلامهم إذا كان في الكلام ما يدلّ على حذفه ، كقولهم : «أنت ظالم إن فعلت كذا» أي : إن فعلت كذا ظلمت ، فحذف «ظلمت» لدلالة قوله : «أنت ظالم» عليه ، والشواهد على حذف جواب الشرط في كلامهم للدلالة عليه أكثر من أن تحصى ، والله أعلم.
______________________________________________________
يريد إذا امرؤ ولّى عني بودّه وجفاني ثم رجع إلى الودّ لم يرجع برجوعه ودّي ؛ فوضع على موضع عن كما في بيت الشاهد ؛ ومن وضع حرف في موضع حرف آخر قول عنترة في معلقته :
|
بطل كأن ثيابه في سرحة |
|
يحذى نعال السبت ليس بتوأم |
يريد أنه طويل القامة فإذا لبس ثيابه فكأنها نشرت على شجرة مشرفة عالية. فوضع في موضع على ، ومن ذلك قول أعرابي من طيّىء :
|
نلوذ في أم لنا ما تغتصب |
|
من الغمام ترتدي وتنتقب |
أراد بالأم جبلا من جبال طيّىء ؛ وما تغتصب : أي أنها منيعة على من أرادها ؛ وقد وضع في موضع الباء في قوله «نلوذ في أم لنا» لأن «لاذ» يتعدى بالباء.
التخريج الثاني : أن يضمنوا الفعل المذكور في الكلام معنى فعل آخر يتعدى بالحرف المذكور ؛ فيضمنوا «رضي» في قول القحيف معنى عطف أو أقبل ؛ وكل من عطف وأقبل يتعدى بعلى ، وهكذا.
والتخريج الثالث : أن يحمل الفعل على ضده ؛ فيحمل «رضي» في بيت القحيف على سخط ، وسخط يتعدى بعلى ، ويحمل «ولى» في قول الطائي «ولى علي بوده» على أقبل ، وأقبل ضد ولّى ، وهكذا.
وليس كل كلام يمكن تخريجه على كل واحد من هذه التخريجات الثلاثة ، بل يحمل على ما يمكن منها. وفي هذا ما يكفي أو يغني.
