وإذا ثبت هذا وأنه في تقدير التقديم ؛ فوجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط ؛ لأن المعمول قد وقع في موقع العامل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم معمول الشرط والجزاء على حرف الشرط ؛ لأن الشرط بمنزلة الاستفهام ، والاستفهام له صدر الكلام ، فكما لا يجوز أن يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فكذلك الشرط ، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال «زيدا أضربت»؟ فكذلك لا يجوز أن يقال «زيدا إن تضرب أضرب».
والذي يدلّ [٢٥٩] على ذلك أنّ بين الاستفهام وبين الشرط من المشابهة ما لا خفاء به ، ألا ترى أنك إذا قلت «أضربت زيدا؟» كنت طالبا لما لم يستقر عندك ، كما أنك إذا قلت «إن تضرب زيدا أضرب» كان كلاما معقودا على الشك ؛ فإذا ثبتت المشابهة بينهما من هذا الوجه ؛ فينبغي أن يحمل أحدهما على الآخر ؛ فكما لا يجوز أن يتقدم ما بعد الاستفهام عليه ؛ فكذلك الشرط.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : «إنّ الأصل في الجزاء أن يكون مقدّما على الشرط» قلنا : لا نسلم ، بل مرتبة الجزاء بعد مرتبة الشرط ؛ لأن الشرط سبب في الجزاء ، والجزاء مسبّبه ، ومحال أن يكون المسبب مقدما على السبب ، ألا ترى أنك لا تقول «إن أشكرك تعطني (١)» وأنت تريد إن تعطني أشكرك ؛ لاستحالة أن يتقدم المسبب على السبب ، وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء أن تكون بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معموله كذلك ؛ لأن المعمول تابع للعامل.
وأما قول الشاعر :
* إنك إن يصرع أخوك تصرع* [٤٠١]
فلا حجّة لهم فيه ؛ لأنه إنما نوى به التقديم وجعله خبرا لإنّ لأجل ضرورة الشعر ، وما جاء لضرورة شعر أو إقامة وزن أو قافية فلا حجة فيه.
وأما قول زهير :
|
وإن أتاه خليل يوم مسألة |
|
يقول ... [٤٠٢] |
فلا نسلّم أنه رفعه لأن النية به التقديم ، وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماض ، وفعل الشرط إذا كان ماضيا نحو «إن قمت أقوم» فإنه يجوز أن يبقى على رفعه ؛ لأنه لما لم يظهر الجزم في فعل الشرط ترك الجواب على أول أحواله ـ وهو الرفع
__________________
(١) لكنه لو قال «أشكرك إن تعطني» كان صحيحا وأفاد المعنى ، وهو موطن الخلاف ، فتأمل.
