أراد «ولم أكن لأسمع مقالتها» وقدم منصوب لأسمع عليه ، وفيه لام الجحود ، فدلّ على جوازه ، وفيه أيضا دليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن لام الجحود [٢٤٦] هي العاملة بنفسها من غير (١) تقدير «أن» إذ لو كانت أن هاهنا مقدّرة لكانت مع الفعل بمنزلة المصدر ، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أن الناصب «أن» المقدرة بعدها ما قدّمناه في مسألة لام كي.
وأما الدليل على أنه لا يجوز إظهار «أن» بعدها فمن وجهين ؛ أحدهما : أن قولهم : «ما كان زيد ليدخل ، وما كان عمرو ليأكل» جواب فعل ليس تقديره تقدير اسم ، ولا لفظه لفظ اسم ؛ لأنه جواب لقول قائل «زيد سوف يدخل ، وعمرو سوف يأكل» فلو قلنا «ما كان زيد لأن يدخل ، وما كان عمرو لأن يأكل» بإظهار أن لكنا جعلنا مقابل سوف يدخل وسوف يأكل اسما ؛ لأنّ أن مع الفعل بمنزلة المصدر وهو اسم ؛ فلذلك (٢) لم يجز إظهارها كما لا يجوز إظهار الفعل في قولك «إياك
______________________________________________________
وأصل الكلام : ولم أكن أسمع مقالتها ، ثم يبين هذا الفعل المحذوف الذي أضمره بقوله «لأسمعا» والسر في هذا الخلاف أن الكوفيين يقولون : الناصب للمضارع هو اللام التي للجحود ، والبصريون يقولون : الناصب له هو أن المصدرية مضمرة بعد اللام ، والمضارع صلة لأن المصدرية ، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول ، ولكن هذه القاعدة منقوضة من أساسها ، وإن كان قد ارتضاها الجمهور من الفريقين ؛ فقد تقدم معمول الصلة على الموصول في قول العجاج :
|
ربيته حتى إذا تمعددا |
|
كان جزائي بالعصا أن أجلدا |
فإن قوله «بالعصا» متعلق بقوله «أجلدا» وهو معمول لأن المصدرية ، ونظيره قول ربيعة بن مقروم الضبي :
|
هلا سألت وخبر قوم عندهم |
|
وشفاء غيك خابرا أن تسألي |
فإن قوله «خابرا» مفعول به تقدم على عامله وهو قوله «تسألي» المنصوب بأن المصدرية ، وقد اضطر النّحاة لتتم لهم قاعدتهم أن يقولوا : إن «خابرا» منصوب بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور ، وإن قول العجاج «بالعصا» متعلق بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور بعده. ومثل هذين البيتين قول الآخر وسيأتي قريبا في كلام المؤلف (ص ٥٩٦) :
|
وإني امرؤ من عصبة خندفية |
|
أبت للأعادي أن تذلّ رقابها |
وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى ، غير أنا نبادر فنقرر أنا لا نرى مع كثرة الشواهد التي تثبت في مسألة من المسائل أن نعرض عن الشواهد ثم نتمسك بالتعليل ؛ لأن هذا عدول عن النص إلى القياس ، وذلك لا يجوز ، فاعرف هذا ، ولا تغفل عنه.
__________________
(١) في ر «عن غير» وليس بشيء.
(٢) في ر «فكذلك لم يجز».
