فنصب «أفعله» لأن التقدير فيه : أن أفعله ؛ فدل على أنها تعمل مع الحذف ، وهذا على أصلكم ألزم ؛ لأنكم تزعمون أنها تعمل مع الحذف بعد الفاء في جواب الأمر والنهي والنفي [والاستفهام] والتمني والعرض ، وكذلك بعد الواو واللام وأو وحتّى فكذلك هاهنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدليل على أنها لا يجوز إعمالها مع الحذف أنها حرف نصب من عوامل الأفعال ، وعوامل الأفعال ضعيفة ؛ فينبغي أن لا تعمل مع الحذف من غير بدل.
والذي يدل على ذلك أنّ «أنّ» المشددة التي تنصب الأسماء لا تعمل مع الحذف ، وإذا [٢٣٣] كانت «أنّ» المشددة لا تعمل مع الحذف فأن الخفيفة أولى أن لا تعمل ، وذلك لوجهين :
أحدهما : أنّ «أنّ» المشددة من عوامل الأسماء ، و «أن» الخفيفة من عوامل الأفعال ، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال ، وإذا كانت أنّ المشددة لا تعمل مع الحذف وهي الأقوى فأن لا تعمل «أن» الخفيفة مع الحذف وهي الأضعف كان ذلك من طريق الأولى.
والثاني : أن «أن» الخفيفة إنما عملت النصب لأنها أشبهت «أنّ» المشددة ، وإذا كان الأصل المشبه به لا ينصب مع الحذف ، فالفرع المشبه أولى أن لا ينصب مع الحذف ؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الفرع أقوى من الأصل وذلك لا يجوز.
والذي يدل على ضعف عمل «أن» الخفيفة أنه من العرب من لا يعملها
______________________________________________________
من قول سيبويه ؛ لأنه أضمر أن في موضع حقها ألا تدخل فيه صريحا وهو خبر كاد ، واعتد بها مع ذلك بإبقاء عملها» اه كلامه.
ويتلخص من هذين الكلامين كلام الأعلم وكلام ابن هشام أن في قول الشاعر : «بعد ما كدت أفعله» ثلاثة تخريجات :
التخريج الأول : تخريج سيبويه ، وحاصله أن الفتحة على لام «أفعله» فتحة إعراب ، وأن الفعل منصوب بأن المصدرية محذوفة ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
التخريج الثاني : التخريج الذي حكاه الأعلم ولم يبين القائل به ، وحاصله أن الفتحة التي على لام «أفعله» فتحة بناء ، وأن الفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المحذوفة تخفيفا ، وقد ذكر المؤلف هذا التخريج.
التخريج الثالث : تخريج أبي العباس المبرد ، وحاصله أن الفتحة التي على لام «أفعله» لا هي فتحة الإعراب ولا هي فتحة البناء ، ولكنها فتحة منقولة من الحرف الذي بعدها والفعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة العارضة بسبب النقل.
