وكثر فيما بعد شعر الحنين إلى الحجاز من الشعراء الذين فارقوا الحجاز وهم من أهله أو من الشعراء الذين يحنون إلى آثار المسلمين الأولين ، فقال أحدهم :
|
كفى حزنا أني ببغداد نازل |
|
وقلبي بأكناف الحجاز رهين |
|
إذا عنّ ذكر للحجاز استفزّني |
|
إلى من بأكناف الحجاز حنين |
|
فو الله ما فارقتهم قاليا لهم |
|
ولكنّ ما يقضى فسوف يكون |
ووقف شعراء العرب في العصر الحديث على آثار العرب في الأندلس ، فوصفوها ، وبكوا على ما كان من المجد .. وهذا كله نوع من الوقوف على الأطلال ، وفيه دليل على تعلّق العربي بآثار من يحبّ ، أو بآثار الأقدمين ، للبكاء عليها ، والحنين إليها حينا ، ولأخذ العبرة منها حينا آخر. ويروى أن أحد المتقدمين وقف على معاهد فقال : أين من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ ثم قال : إن لم تتكلم حوارا تكلمت اعتبارا.
وقد أطلت في هذه التعليقة ، لأقول : إن ابن قتيبة ، أو من نقل عنه ابن قتيبة قد فسّر المقدمة الطللية تفسيرا عقليا بعيدا عن العواطف الإنسانية.
وإن النقّاد ـ من أهل العصر الحديث ـ الذين نظروا إلى المقدمة الطللية على أنها مبتوتة عن موضوع القصيدة ، قدّموا تفسيرا للشعر وهم قابعون في بيوتهم ، ولم يذوقوا طعم الترحال الذي ذاقه الأقدمون ، ولم يغتربوا عن أوطانهم ، ولم يفارقوا أهلهم وأحبابهم. ولو عاشوا حياة الأقدمين تجربة وبيئة ، أو خيالا ، لتغيرت مفهوماتهم ، ولقالوا قولا غير الذي قالوه.
الملاحظة الثانية : حول تفسير ابن قتيبة لمنهج القصيدة : إنّ تعليل ذكر النسيب في القصيدة لإمالة القلوب نحوه ، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل ... يمكن ردّه أيضا ؛ لأنه جعل نسيب الشاعر مصطنعا لهدف نفعي ، وردّ هذا التعليل مبني على ردّنا تفسير المقدمة الطللية ، فهو يجعل وظيفة الشعر تهييج مشاعر السامعين وتلبية رغباتهم في المرأة ، وكأنه قصة إثارة مصطنعة. والحقّ أن الشاعر يعبر عن عواطفه الخاصة وذكرياته في ميدان الحبّ والاتصال بالمرأة ، ودليلنا على ذلك أن النساء اللواتي ذكرن في النسيب ، هنّ زوجات ، أو فتيات تيّمن
![شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة [ ج ١ ] شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1883_sharh-alshavahed-alsharia-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
