وان كانت العقيدة الإلهية تريد في كل زمان بطلا يفتديها بنفسه فهي تريد أيضاً بطلاً يتقبل القربان ويعزز به المبدأ ، وهذا هو الذي بعث بعلي إلى فراش الموت وبالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة الاغر كما أشرنا إليه قريباً ولم يكن ليتهيأ للامام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدم لها كلام البطلين لأنّه لو ضحى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه وولداً رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم طفلان لا يتهيّأ لهما من الأمر ما يريد.
وقف علي عند مفترق طريقين كل منهما حرج وكل منهما شديد على نفسه : ـ
أحدهما : أن يعلن الثورة المسلحة على خلافه أبي بكر.
والآخر ان يسكت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، ولكن ماذا كان يترقّب للثورة من نتائج هذا ما نريد ان نتبينه على ضوء الظروف التاريخية لتلك الساعة العصيبة.
انّ الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدة في أمر الخلافة. ومعنى هذا انّهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد ، ومن المعقول جداً حينئذ ان يغتنم سعد ابن عبادة الفرصة ليعلنها حرباً أخرى في سبيل أهوائه السياسية لأنّنا نعلم انّه هدّد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه البيعة وقال : لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي واخضب سنان رمحي واضرب بسيفي وأقاتلكم بأهل بيتي ومن اطاعني ولو اجتمع معكم الانس والجن ما بايعتكم. واكبر الظن انّه تهيب الأقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أوّل شاهر للسيف ضد الخلافة القائمة وانّما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة اعلان الحرب وأخذ يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر
