والأوّل يثبت بعدم صحة السّلب في الجملة دون الثّاني ومنها ما ذكره أيضا من أنّ المقصود تعيين فرد الموضوع له ومصداقه فبصحّة سلب الماء عن الجلاب المسلوب الطعم والرائحة نعلم أنه ليس من مصاديق الماء وبعدمها عن ماء السيل المخلوط بالطين نعلم أنّه من مصاديقه وبالجملة لا نشكّ في عدم وضع الماء للجلاب بخصوصه ولكن نشكّ في أنه داخل في مصاديقه أو لا فبصحّة السّلب نعلم عدم دخوله فيه وفيه أن الشّكّ في الفرديّة إمّا ناش عن عوارض لاحقة لنفس الفرد كالبلل المشتبه بالبول وإمّا ناش عن الشّكّ في أصل المعنى كالشّكّ في ماء السّيل فإنه ناش عن الشّكّ في أن الماء موضوع للمطلق مطلقا أو للمطلق الصّافي فإن أراد الأوّل قلنا إن تشخيص الموضوعات يجب أن يكون بالعلم وهذه الأمارات لا حجّيّة فيها في الموضوعات بل الغرض منها إثبات الأوضاع اللّغويّة من الحقيقيّة والمجازيّة لا تشخيص الموضوعات العرفيّة وإن أراد الثّاني بقي الدّور بحاله لرجوع الشّكّ حينئذ إلى الشّكّ في أصل المعنى لا إلى الشّكّ في الفردية ومنها ما ذكره بعضهم من أن كلية الكبرى في صحّة السّلب أعني صحة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المشكوك فيه يعلم بالرجوع إلى العرف فإنه إذا سلب الحمار عن البليد في العرف فلا يخلو إمّا أن يكون الحمار متحدا أو مشتركا وعلى أيّ تقدير يلزم سلب جميع الحقائق أمّا على الأوّل فظاهر وأمّا على الثاني فلأنّ المراد من سلب المشترك عن شيء سلب مفهوم المسمّى عنه فإذا قيل هذا ليس بعين أريد به أنه ليس مسمّى بالعين ولازمه عدم كونه موضوعا له وإلاّ لم يجز سلب المسمّى عنه قال وهذا الجواب لا يجري في عدم صحة السّلب لأنّ معنى عدم السّلب صحة الحمل ولا يمكن العلم بكلية الكبرى وهي أنّه لا يصح سلب جميع الحقائق عنه بالرّجوع إلى العرف لأن حمل شيء على شيء لا يمكن أن يكون بإرادة مفهوم المسمّى من المحمول إذ يلزم حينئذ اتحاد المعنى الواحد مع المعاني المتعدّدة لو كان المحمول مشتركا وهو محال في غالب المشتركات حيث إن معانيها متباينة مفهوما ومصداقا نعم يصحّ ذلك فيما إذا كان المحمول معاني متعدّدة مفهوما متّفقة مصداقا كحمل العالم والنّاطق والضاحك على الإنسان مثلا وليس الكلام مختصّا بأمثال ذلك بل يعم المشترك بين المتباينين الذي لا يمكن حمله على شيء بإرادة مفهوم المسمّى وفيه أن ادّعاء أنّ سلب المشترك عن شيء يراد منه سلب مفهوم المسمّى ممنوع لأنّ إرادة مفهوم المسمّى عن المشترك مجاز لا يصار إليه بلا قرينة بل الظاهر من السّلب عرفا هو سلب الماهيّات والحقائق وحينئذ لا يمكن إرادة أكثر من واحد من المسلوب وإن كان في النّفي لما قرّر في محلّه من عدم جواز استعمال المشترك في الأكثر من المعنى مطلقا والفرق بين المثبت والمنفي شموله لجميع أفراد المعنى الواحد في النّفي دون الإثبات لا أنّه يشمل جميع المعاني لوقوعه في سياق النّفي وقوله إن ذلك لا يتم في عدم صحة السّلب لأن حمل المسمّى على شيء يستلزم اتحاد المعنى الواحد مع المعاني
