بين شيوع الوجود وكونه قرينة إذ غاية ما يقال في وجهه إنّ الفرد الشّائع لحضوره في الذّهن ينصرف الذّهن إليه وهذا لا يكفي في إرادة الفرد بخصوصه لما نرى في العرف غالبا من إرادة الطّبيعة المطلقة مع وجود الفرد الشّائع وإنما يقصد الفرد الشّائع لا لخصوصية فيه بل لاتحاده مع الطّبيعة ويكون المقصود هو الطّبيعة نعم يمكن أن يقال إن هذا إنما يتم إذا قلنا إنّ العموم المستفاد من المطلق المتواطي إنّما هو للسّراية فإنّه حينئذ لا بد من السّراية إلى جميع الأفراد وليس كذلك بل هو ثابت بدليل الحكمة وبيانه أنّ الطّبيعة لا تكون موضوعا للأحكام الشّرعيّة التّابعة للمصالح والمفاسد لأنّ وجود المصلحة في الطّبيعة ليس ملازما لوجودها في فرد من الأفراد فضلا عن جميع الأفراد غاية الأمر أنّ الطّبيعة تكون مقتضية لتلك المصلحة وفعليّتها في الأفراد متوقّف على عدم وجود المعارض والمانع ولذا قيل إنّ نحو الرّجل خير من المرأة لا ينافي مع خيرية كل فرد من أفراد المرأة من كل فرد من الرّجل ومن المذكور في الكتب أنّ القضايا الطّبيعيّة لا يبحث عنها في العلوم لأنها لا فعليّة لها وإنّما يبحث في العلم عما كان له فعلية مضافا إلى أنّ الأحكام الشّرعيّة لم تتعلّق بالطبائع قطعا وإلاّ لم تنفك عنها في الوجود الذّهني أيضا فيجب أن يكون تصوّر الزّنا حراما وتصوّر الصّلاة واجبا مثلا وليس كذلك وإنّما الأحكام متعلّقة بالوجودات الخارجية وحينئذ فإما يكون المتعلّق الجميع فهو المراد أو البعض الغير المعيّن وهو موجب للإجمال الغير الواقع في كلام الحكيم أو البعض المعيّن وهو موجب للتّرجيح بلا مرجح ومقتضى هذا الدّليل أنّه متى كان لبعض الأفراد مرجح لم يكن وجه للحمل على العموم والشّيوع الوجودي يصلح مرجحا لإرادة الشّائع لكونه محل الحاجة غالبا وأنّه قدر متيقّن مثلا لكن مقتضى التّحقيق أن يقال إن المطلوب وإن كان هو الوجودات الخارجيّة لا الطّبيعيّة وتلك الوجودات متشخصة بذاتها لكن لما كان لا يمكن تعقل تلك الوجودات بنفسها لأنها خارجة لا يمكن مجيئها في الذّهن فما يتعقل منها في الذّهن هو مفهوم الوجود الّذي هو عام بالنّسبة إلى الجميع وبالجملة لا بدّ في الحكم على تلك الوجودات من ملاحظة عنوان منتزع منها فإن كان الحكم متعلّقا بجميع الوجودات وجب جعل العنوان أمرا شاملا للجميع أو البعض فالبعض وحينئذ فإذا جعل الطّبيعة متعلّقا للطّلب وعنوانا للحكم على أفرادها تعلّق الحكم بالأفراد الّتي يشملها عنوان الطّبيعة قضية وجوب مطابقة العنوان أو المعنون فإذا أريد تخصص الحكم ببعض تلك الوجودات وجب انضمام لازم من لوازم ذلك البعض إلى الطّبيعة حتى لا تشمل فاقده مثل قولك أعتق رقبة مؤمنة ولا يكفي محض تباين تلك الوجودات في الخارج حتى يقال إنّ المحكوم به هو الوجودات وهي متباينة فيدور الأمر بين إرادة الجميع ولبعض الخاص فيؤخذ بالقدر المتيقّن وذلك لما عرفت من عدم إمكان
