(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) قراءة العامة بكسر الميم ، وقرأ أبو رجاء بضمّها ، وهما لغتان ، قال ابن عباس : يجعلها كخفّ البعير أو كحافر الدابة. قتادة والضحاك : نعميها ، ذكر الوجه والمراد به العين (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) أي نحوّل وجوهها إلى ظهورها ، ونجعل أبصارها من جهة أقفائها ، وهذه رواية عطية عن ابن عباس. الفرّاء : الوجوه منابت للشعر كوجوه القردة ، لأنّ منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم. القتيبي : نمحو آثارها وملامحها من عين وحاجب وأنف وفم ، (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) أي كالأقفاء.
فإن قيل : كيف جاز أن يهدّدهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا ، ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟
فالجواب أن نقول : جعل بعضهم هذا الوعيد باقيا منتظرا ، فقال : لا بد من طمس وجوه اليهود أي بالمسخ قبل الساعة ، وهذا قول المبرّد ، وقال بعضهم : كان هذا وعيدا بشرط ، فلمّا أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع الباقين ، وقيل : لمّا أنزلت هذه الآية ، أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلىاللهعليهوسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وقال النخعي : قرأ عمر هذه الآية على كعب الأحبار ، فقال كعب : يا ربّ أسلمت ، يا ربّ أسلمت مخافة أن يشمله وعيد هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير : الطمس أن يرتدّوا كفارا فلا يهتدوا أبدا. الحسن ومجاهد : من قبل أن نعمي قوما عن الصراط وعن بصائر الهدى ، (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) حتى يعودوا إلى حيث جاءوا منه بدءا ، وهو الشام. وأصل الطمس : المحو والإفساد والتحويل ، ومنه يقال : رسم طاسم ، وطامس أي دارس ، والريح تطمس الأثر أي تمحوه وتعفوه.
(أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) فنجعلهم قردة وخنازير (وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً. إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية ، قال الكلبي : نزلت في المشركين : وحشي بن حرب وأصحابه ، وقال : إنّه لما قتل حمزة ، وكان قد جعل له على قتله أن يعتق ، ولم يوف له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو أصحابه ، فكتبوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلّا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) (١) ، وقد دعونا مع الله إلها آخر ، وقتلنا النفس التي حرّم الله ، وزنينا ، ولو لا هذه الآية لا تبعناك ، فنزلت (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ) الآيتين ـ فبعث بهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى وحشي وأصحابه ، فلمّا قرءوها كتبوا إليه : هذا شرط شديد نخاف ألّا نعمل عملا صالحا فلا نكون من [أهل] هذه الآية (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) فبعث بها إليهم فقرؤوها ، فبعثوا إليه : إنا نخاف ألّا
__________________
(١) سورة الفرقان : ٦٨.
![الكشف والبيان [ ج ٣ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1649_alkashf-valbaian-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
