|
اسْتَأْثَر الله بالوفاءِ وبِالْ |
|
حَمْد ووَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلَا |
قال : وتأْوِيلُه عندي أَنَّ العَرَب كانَ شأْنُها أَن تَذُمَّ الدّهْرَ وتَسُبَّه عند الحوادِثِ والنوازِلِ تَنْزِلُ بهم ، من مَوْتٍ أَوْ هَرَمٍ ، فيقولون أَصابَتْهُم قَوَارِعُ الدَّهْرِ وحَوادِثُه ، وأَبادَهم الدَّهْرُ ، فيَجْعَلُون الدَّهْرَ الذي يَفعل ذلك فيَذُمُّونه ، وقد ذَكَروا ذلك في أَشْعَارهم ، وأَخْبَر الله تعالَى عنهم بذلك في كِتابِه العَزِيز (١) ، فنهاهم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم عن ذلك وقال : «لا تَسُبُّوا الدّهرَ ...» على تأَوِيل لا تَسُبّوا [الدهر] (٢) الَّذِي يَفْعَلُ بكُم هذِه الأَشْيَاءَ ، فإِنَّكُم إِذا سَبَبْتم فاعِلَهَا فإِنَّمَا يَقَع السَّبُّ على الله ، لأَنّه الفاعلُ لها لا الدَّهْر. فَهذا وَجْهُ الحَدِيثِ.
قال الأَزْهَرِيّ : وقد فَسَّر الشَّافِعِيُّ هذا الحديثَ بنَحْوِ ما فَسَّرَه أَبو عُبَيْد ، فظَنَنْت أَنَّ أَبَا عُبَيْد حَكَى كلامَه.
وقال المُصَنِّف في البَصَائر : والذي يُحَقِّق هذا الموضِع ويَفْصِل بين الرِّوايَتَيْن هو قوله : «فإِنَّ الدَّهْرَ هو الله» ، حَقِيقَتُه : فإِنَّ جالبَ الحوادثِ هُوَ الله لا غَيْرُ ، فوضَعَ الدَّهْرَ مَوْضِعَ جالِبِ الحوادثِ ، كما تقول : إِنَّ أَبا حَنِيفَة أَبُو يُوسفَ ، تُرِيد أَن النِّهَايَة في الفِقْه هو أَبُو يُوسفَ لا غيره.
فتضع أَبا حَنِيفَة مَوْضعَ ذلِك لشُهْرَتِه بالتَّناهِي في فِقْهِ ، كما شُهِرَ عندَهم الدَّهْرُ بجَلْبِ الحوادثِ.
ومعنَى الروايَةِ الثانيةِ «إِنَّ الله هُو الدَّهْر» ، فإِنَّ اللهَ هو الجالِبُ للحوادثِ لا غَيْرُ ، رَدًّا لاعتقادِهِم أَنّ جالبَها الدَّهْرُ ، كما إِذا قلتَ : إِنَّ أَبا يُوسفَ أَبو حَنِيفَةَ ، كان المعنَى أَنَّه النِّهَايَة في الفِقْه. وقال بعضُهُم : الدَّهْر الثانِي في الحَدِيث غيرُ الأَوّل ، وإِنما هو مَصْدَرٌ بمعنَى الفاعلِ ، ومَعْنَاه إِنَّ الله هو الدَّهْر ، أَي المُصرِّف المُدَبِّر المُفِيض لِمَا يَحْدُث ، انتهى.
قلتُ : وما ذَكَره من التَّفْصِيل وتأْوِيلِ الرِّوايَتَيْن فهو بعَيْنه نَصُّ كلام الأَزْهَرِيّ في التهذيب ، ما عَدا التَّمْثِيل بأَبي يُوسفَ وأَبِي حنيفة. وأَما القَوْلُ الأَخِيرُ الذي عَزَاه لبَعْضهم فقد صَرّحوا به ، واستَدَلُّوا بالآيةِ (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ) (٣) ، ونسبُوه للراغِب.
وقد عَدَّ المُدَبِّرَ في الأَسماءِ الحسنى الحَاكِمُ والفِرْيَابِيّ مِن رِوَاية عبد العزيز بن الحُصَيْن ، كما نقله شيخُنَا عن الفَتْح ، ولكن يخالِفُه ما في المُفْردات له بَعْد ذِكْرِ مَعْنَى الدَّهْر تَأْوِيل الحديث بنَحْوٍ من كلامِ الشافعيّ وأَبي عُبَيْد ، فليُتَأَمَّل ذلك.
قال شيخُنَا : وكأَنّ المُصَنِّفَ رَحِمه الله قَلَّد في ذلِك الشَّيْخَ مُحْيِىَ الدِّينِ بن عَربِيّ قُدِّسَ سِرُّه ، فإِنَّه قال في الباب الثالث والسبعين من الفتوحات : الدَّهُر من الأَسماءِ الحُسْنَى ، كما ورَدَ في الصّحِيح ، ولا يُتَوَهَّم من هذا القولِ الزَّمَانُ المعرُوفُ الذي نَعُدُّه من حَرَكَاتِ الأَفْلاكِ ونَتَخَيَّل من ذلِك دَرَجَاتِ الفَلَك التي تَقطَعها الكواكبُ ، ذلِك هو الزَّمَان ، وكلامُنا إِنَّمَا هو في الاسمِ : الدَّهْرِ ، ومَقَاماتِه التي ظهر عنها الزمانُ ، انتهى.
ونَقَلَه الشيخُ إِبراهِيم الكُورانيّ شَيْخُ مَشايخنا ، ومالَ إِلى تَصْحيحه. قال : فالمحقِّقون من أَهل الكَشْف عَدُّوه من أَسماءِ الله بهذا المَعْنَى ، ولا إِشكالَ فيه. وتَغْلِيطُ عِيَاض القائل بأَنه من أَسماءِ الله مَبْنِيٌّ على ما فَسَّرَه به من كَوْنِه مُدَّةَ زَمانِ الدُّنْيَا ، ولا شكّ أَنه بهذا المعنَى يُغْلَّط صاحبُه. أَما بالمعنَى اللائقِ كما فَسَّره الشيخُ الأَكبرُ ، أَو المُدَبِّر المُصْرِّف ، كما فسَّره الراغبُ ، فلا إِشكالَ فيه ، فالتغليط ليس على إطلاقه.
قال شيخُنَا : وكان الأَشْياخُ يَتوقَّفُون في هذا الكلام بَعْضَ التَّوَقُّفِ لَمَّا عَرَضْته عليهم ويقولون : الإِشارات الكَشْفِيّة لا يُطلَق القَولُ بها في تَفْسِير الأَحادِيثِ الصَّحِيحَة المَشْهُورَة ، ولا يُخَالَفُ لأَجلها أَقوالُ أَئِمَّةِ الحديثِ المَشَاهِيرِ ، والله أَعلم.
وقيل الدَّهْر : الزّمانُ قَلَّ أَو كَثُر ، وهما وَاحدٌ ، قاله شَمِرٌ ، وأَنشد :
|
إِنَّ دَهْراً يَلُفُّ حَبْلِي بجُمْلٍ |
|
لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسَانِ |
__________________
(١) قال جلّ وعزّ : (وَقالُوا ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ. وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّا يَظُنُّونَ) ،
(٢) زيادة عن التهذيب.
(٣) سورة الرعد الآية ٢.
![تاج العروس [ ج ٦ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1498_taj-olarus-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
