وأنت إذا تأملت في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا ، بعده ، وقوله في حديث الثقلين : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (٨٥٨) ، تعلم أن المرمى في الحديثين واحد ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ، أراد في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين.
٢ ـ وإنما عدل عن ذلك ، لان كلمتهم تلك التي فاجؤوه بها اضطرته إلى العدول ، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب سوى الفتنة والاختلاف من بعده في أنه هل هجر فيما كتبه ـ والعياذ بالله ـ أو لم يهجر ، كما اختلفوا في ذلك واكثروا اللغو واللغط نصب عينيه ، فلم يتسن له يومئذ أكثر من قوله لهم : قوموا ؛ كما سمعت ، ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ، ولاوغل أشياعهم في اثبات هجره ـ والعياذ بالله ـ فسطروا به أساطيرهم ، وملاوا طواميرهم ردا على ذلك الكتاب وعلى من يحتج به.
لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب صلى الله عليه وآله وسلم ، عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم بابا إلى الطعن في النبوة ـ نعوذ بالله وبه نستجير ـ ، وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم ، أن عليا وأولياءه خاضعون لمضمون ذلك الكتاب ، سواء عليهم أكتب أم لم يكتب ،
____________________________________
راجع : شرح نهج البلاغة ج ٣ ص ١١٤ سطر ٢٧ ط ١ بمصر وأفست بيروت وج ١٢ ص ٧٩ سطر ٣ ط مصر بتحقيق محمد أبوالفضل وج ٣ ص ٨٠٣ ط دار مكتبة الحياة وج ٣ ص ١٦٧ ط دار الفكر.
(٨٥٨) حديث الثقلين تقدم تحت رقم (٢٨ و ٢٩ و ٣٠ و ٣١ و ٣٢ و ٣٣) فراجع.
