ومن ألم بما حول هذه الرزية من الصحاح ، يعلم أن أول من قال يومئذ : هجر رسول الله. إنما هو عمر ، ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا على رأيه ، وقد سمعت قول ابن عباس ـ في الحديث الاول (١) ـ : فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر ـ أي يقول : هجر رسول الله ـ وفي رواية أخرى أخرجها الطبراني في الاوسط عن عمر (٢) ، قال : » لما مرض النبي قال : إئتوني بصحيفة ودواة ، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال عمر : فقلت إنكن صويحبات يوسف إذا مرض رسول الله عصرتن أعينكن ، وإذا صح ركبتن عنقه! قال : فقال رسول الله : دعوهن فإنهن خير منكم » اهـ. (٨٥٢).
وأنت ترى انهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لامنوا من الضلال ، وليتهم اكتفوا بعدم الامتثال ولم يردوا قوله إذ قالوا : حسبنا كتاب الله ، حتى كأنه لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، أو أنهم أعلم منه بخواص الكتاب وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك
__________________
(١) الذي أخرجه البخاري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس وأخرجه مسلم أيضا ، وغيره (منه قدس).
(٢) كما في ص ١٣٨ من الجزء الثالث من كنز العمال (منه قدس).
____________________________________
(٨٥٢) راجع : عبدالله بن سبأ للسيد العسكري ج ١ ص ٧٩ ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ص ٢٤٣ ـ ٢٤٤.
