الألفِ دليلُ الإضافةِ والتعريفِ ، ووجودُ اللامِ دليلُ الفصلِ والتنكيرِ ، وهذانِ ـ كما تراهما ـ متدافعانِ ، والفرقُ بينهما أن قولَهم : (لا أبا لك) كلامٌ جرى مجرى المثلِ ، وذلك أنك إذا قلتَ هذا ؛ فإنك لا تنفى فى الحقيقةِ أباه ، وإنما تُخْرِجه مَخْرجَ الدعاءِ عليه ، أى أنت عندى ممن يستحقُّ أن يُدعى عليه بفقد أبيه ، وأنشد توكيدا لما رآه من هذا المعنى قوله :
*وتُترَكُ أُخرى فَرْدةً لا أخا لها* (١)
ولم يقل : لا أخت لها. ولكن لما جرى هذا الكلام على أفواههم : لا أبا لك ، ولا أخا لك ؛ قيل مع المؤنث على حدّ ما يكون عليه مع المذكر ، فجرى هذا نحوًا من قولهم لكل أحدٍ من ذكر وأنثى أو اثنين أو جماعة : الصيفَ ضيعتِ اللبنَ ، على التأنيث ؛ لأنه كذا جرى أوّلُه ، وإذا كان الأمر كذلك ؛ عُلم أن قولَهم : لا أبا لك ، إنما فيه تعادِى ظاهرِه من اجتماع صورتَىِ الفصْلِ والوصْلِ والتعريف والتنكير لفظًا لا معنًى ، ويؤكد عندك خروجَ هذا الكلامِ مخرجَ المثلِ كثرتُه فى الشعر ، وأنه يقال لمن له أبٌ ، ولمن لا أبَ له ، وهذا الكلام دعاء فى المعنى لا محالة ، وإن كان فى اللفظ خبرا ، ولو كان دعاء مصرَّحا ؛ لما جاز أن يقال لمن لا أب له ؛ لأنه إذا كان لا أب له ، لم يجُز أن يُدعَى عليه بما هو فيه لا محالة ، ألا ترى أنك لا تقول للفقير : أفقره الله ، فكما لا تقول لمن لا أب له : أفقدك اللهُ أباك ، كذلك تعلم أن قولهم ـ لمن لا أب له ـ لا أبا لك ، لا حقيقةَ لمعناه مطابقة للفظه ، وإنما هى خارجةٌ مخرجَ المثلِ ، على ما فسّره أبو علىّ. قال عنترة :
|
فاقْنَىْ حياكِ ، لا أبا لكِ ، واعْلَمِى |
|
أنّى امرؤٌ سأموتُ ، إنْ لَمْ أُقْتلِ(٢) |
وقال المتلمس :
|
ألقِ الصحيفةَ ، لا أبا لكَ ، إنه |
|
يُخْشَى عليك من الحِباءِ النِّقْرِسُ (٣) |
ويدلك على أن هذا ليس بحقيقة ، قول جرير :
|
يا تيمَ تيمَ عَدِىٍّ لا أبا لكم |
|
لا يُلْقِينّكم فى سوْءةٍ عُمَرُ(٤) |
__________________
(١) بلا نسبة فى لسان العرب (أبى) بلفظ (ويترك).
(٢) البيت لعنترة فى ديوانه ص ٢٥٢ ، ولسان العرب (أبى) ، (قنا) ، وتاج العروس (قنا) ، وكتاب العين ٥ / ٢١٧ ، وبلا نسبة فى تهذيب اللغة ٩ / ٣١٤ ، ومقاييس اللغة ٥ / ٢٩.
(٣) البيت للمتلمس فى ديوانه ص ١٨٦ ، ولسان العرب (نقرس) ، (أبى) ، وتهذيب اللغة ٩ / ٣٩٥ ، وتاج العروس (نقرس).
(٤) البيت لجرير فى ديوانه ص ٢١٢ ، ولسان العرب (أبى) ، والأغانى ٢١ ، ٣٤٩ ، وخزانة الأدب ٢ / ٢٩٨ ، والخصائص ١ / ٣٤٥ ، وبلا نسبة فى جواهر الأدب ص ١٩٩ ، وهمع الهوامع ٢ / ١٢٢.
![المحكم والمحيط الأعظم [ ج ١٠ ] المحكم والمحيط الأعظم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1456_almohkam-valmohit-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
