بقيد المحدودة بحد ومن الشاهد عليه غزوات رسول الله صلىاللهعليهوآله بما أدت إليه من الفتح والظفر في عين أنها كانت سجالا لكن لم تنته إلا إلى تقدم المسلمين وغلبتهم.
ولم تقف الفتوحات الإسلامية ولا تفرقت جموع المسلمين أيادي سبإ إلا بفساد نياتهم وتبديل سيرة التقوى والإخلاص لله وبسط الدين الحق من بسط السلطة وتوسعة المملكة « ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » (١) وقد اشترط الله عليهم حين أكمل دينهم وأمنهم من عدوهم أن يخشوه إذ قال : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ».
ويكفي في تسجيل هذه الغلبة قوله تعالى فيما يخاطب المؤمنين : « وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » آل عمران : ١٣٩.
قوله تعالى : « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ » إلخ ، نفي وجدان قوم على هذه الصفة كناية عن أن الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر لا يجامع موادة أهل المحادة والمعاندة من الكفار ولو قارن أي سبب من أسباب المودة كالأبوة والبنوة والأخوة وسائر أقسام القرابة فبين الإيمان وموادة أهل المحادة تضاد لا يجتمعان لذلك.
وقد بان أن قوله : « وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ » إلخ ، إشارة إلى أسباب المودة مطلقا وقد خصت مودة النسب بالذكر لكونه أقوى أسباب المودة من حيث ثباته وعدم تغيره.
وقوله : « أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ » الإشارة إلى القوم بما ذكر لهم من الصفة ، والكتابة الإثبات بحيث لا يتغير ولا يزول والضمير لله وفيه نص على أنهم مؤمنون حقا.
وقوله : « وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » التأييد التقوية ، وضمير الفاعل في « أَيَّدَهُمْ » لله تعالى وكذا ضمير مِنْهُ ومن ابتدائية ، والمعنى : وقواهم الله بروح من عنده تعالى ، وقيل : الضمير للإيمان ، والمعنى : وقواهم الله بروح من جنس الإيمان يحيي بها قلوبهم ، ولا بأس به.
وقيل : المراد بالروح جبرائيل ، وقيل : القرآن ، وقيل : المراد بها الحجة والبرهان ، وهذه وجوه ضعيفة لا شاهد لها من جهة اللفظ.
__________________
(١) الأنفال : ٥٣.
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ١٩ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1452_al-mizan-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

